أمير درويش: هجرة من حلب إلى لندن حكاية لجوء شاعر كردي من خلال مجموعته الشعرية ” حب وألم اللاجئين “

الوطن 24/ بقلم: سعيد تكراوي 

الشهباء … شمال غرب سوريا على ما يزيد عن ثلاثمائة كلمتر من دمشق، إنها أكبر مدن بلاد الشام / سوريا …. تعاقبت على ثراها حضارات شتى الآرامية والآشورية والهيلينية والفارسية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. كما كانت عاصمة الدولة الحمدانية، و كانت ثالث أهم مـدن الدولة العثمانية بعد اسطنبول والقاهرة … تاريخ حلب جرح غائر منذ هجمة تيمور لنك ثم في بداية القرن العشرين تمزقت إثر الحرب العالمية الأولى بعد سقوط الخلافة العثمانية إلى التمزق القوي الذي عرفته البلاد حديثاً …
ففي الشهباء / حلب وُجدَ بلاط سيف الدولة الذي لازمه المتنبي لسنوات …. وكانت وكر الشعراء والأدباء قديماً وحديثاً، ومنهم: أبو العلاء المعري، البحتري، أبو فراس الحمداني، عبد الرحمن الكواكبي، محمد عزام، عمر أبو ريشة، خير الدين الأسدي (عالم لغوي)، فخر الدين قباوة، ندى الدانا ( كاتبة قصصية، وصحفية وشاعرة)، جورج طرابيشي….
قال المتنبي في حلب:
أرى العراق طويلَ الليلِ مُذْ نُعِيَتْ * فكيف ليْلُ فتى الفتيان في حلب
وقال في حب قصدها:
لا أقمنا فى مكان وإن طاب * ولا يمكن المكان الرحيلُ
كلما رحبت بنا الروضُ قلنا * حلبٌ قصدنا وأنتِ السبيلُ
فيك مرعى جيادنا والمطايا * و إليها وَجِيفُنَا والذَّمِيلُ
وإذا كانت حلب مولد أبي العلاء المعري، فقد قال في وارديها ومغادريها:
حلب للوارد جنة عدنٍ * وهي للغادرين نار سعيرُ
وقال في مكانتها من التخفيف عن تأثير الخطوب وكدمات الدهر:
يا شاكى النوب انهض طالبا حلبا * نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس
واخــــــلع إذا حـــــــــــاذيتها ورعا * كـــفعل موسى كليم الله فى القدس
وقال نزار قبانى:
” كل الدروب لدى الأوربيين توصل إلى روما
كل الدروب لدى العرب توصل إلى الشعر
وكل دروب الحب توصل إلى حلب.”
وقال الأخطل الصغير:
نفيت عنك العلة والظــــرف والأدبا * وإن خلقت لها إن لم تزر حلبا
لو ألف الــمجد سفرا عن مفاخره * لراح يكتب فـــــي عنوانه حلبا
افتتن الأدباء عامة والشعراء خاصة بمحافظة حلب من حيث جمالها الأخاذ، وتضاريسها الفاتنة، ففي أقصى شمالها الغربي؛ يقف شامخاً جبل حلب أو جبل الأكراد إذ تسمو مدينة عفرين بانسياب نهرها على مسافة خمس وثمانين كلمتراً مما جعلها مدينة خضراء متدفقة المياه، كثيرة الغابات، معتدلة الطقس …. أغلب سكان عفرين الحلبية من الأكراد الذين أقاموا في مدنٍ، وهي: عفرين، كوباني(عين العرب)، رأس العين، القامشلي، الحسكة، إلا أن أغلبهم عاشوا بحلب (…)
ولم يفتأ هذا الرحم الكردي أن يلد أدباء وشعراء وهم يتحدثون عن شرخ الهوية والانتماء ومنهم: الشاعر والأديب سليم بركات، الشاعر لقمان ديركي، الشاعر نوزاد جعدان ….
لم يتوقف هذا الرحم عن الإنجاب، بل نما شاعرٌ في مشيمة تَمُدُّهُ حباًّ وجمالاً وحنانًا، وفي الوقت ذاته إحساساً بالأسى والحزن ولا سيما حين مغادرته القسرية لبريطانيا بعد أن تحولت سوريا إلى مرتع تبكي فيه الـمُحافَظَاتُ والمدنُ والقلاعُ… إنه الشاعر أمير درويش الذي اختار لندنَ ملجأً وملاذاً ومقاماً، لكن الحنين يغمرهُ لذاك الرحم الذي تغذى من مشيمته بكل القيم الإنسانية السامية.
إنه الشاعر والكاتب أمير درويش البريطاني هواءً والحلبي الكردي دماً، عاشق الحرف، ظامئ لتدفقات الحبر، المولود يوم 20 أبريل 1979 بحلب.
ركض في عفرين، ولعب في أحيائها، وسهولها ومرتفعاتها، ثم أقام في حلب وهو على أعتاب الوعي بالجرح الكردي… ونظرا للظروف السياسية والإجتماعية، هاجر إلى بريطانيا لاجئاً، وهناك بدأ حياةً أخرى دون نسيان الوريد السري الذي يصلُهُ بحلب الأم وسوريا عامةً. واصل دراسته فحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة تيسايد(بريطانيا)، ثم حصل أيضاً على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة دورم ( بريطانبا)، إضافة إلى ماجستير بالكتابة الابداعية من جامعة جولد سميث في لندن. وهنا ينفجر الأمير متأملاً الحياة بين عالمين متناقضين إلى حد ما على مستويات عدة. بحيث عكف على تدوين سيرة ذاتية وإن كانت سابقة لأوانها، أو لنقل محطة أولى من سيرة مطولة. وتم اختيار الفصل الأول منها المعنون ب :” العبور إلى انجلترا ج”، كأفضل سيرة ذاتية قصيرة، حيث نشِرَتْ بمجلة فيش(Fish) البريطانية.
أنتج أمير درويش مجموعتين شعريتين: “لا تنسوا الكسكس” و “عزيزي اللاجئ” باللغة الإنجليزية. وترجمت بعض نصوصه لعدة لغات منها البنغالية، التركية، الاستونية، الفنلندية، الاسبانية و العبرية. كما يبدع في النثر بحيث كتب عدة قصص قصيرة.
هذا الفيض الإبداعي أهله للمشاركة في عدة مهرجانات أدبية وشعرية حول العالم: المغرب بمهرجان مراكش الدولي للشعر، تركيا، استونيا، فنلندا، الهند، ايطاليا ومهرجانات المملكة المتحدة.
اختير لإقامة أدبية بالهند سنة 2019، وبعد منتصف سنة 2022، اختير من قِبَل مؤسسة تشرشل فونديشن البريطانية لإقامة أدبية في دولة من ثلاث دول بالمغرب العربي، كي يحضر مجموعة شعرية. فاختار المغرب لاعتبارات شتى، ومنها القواسم المشتركة التي تجمع المدن المغربية العتيقة بمدينة نشأته حلب حيث التشابه قائما على مستوى طبائع الناس، وسحناتهم وأنشطتهم، وأجواء الأحياء والأزقة مما جعل المدينة المغربية العتيقة الآصيلة أقرب إلى وجدان أمير درويش، و أجدر لإرواء غلة العشق الحلبي.
و آثَرَ الشاعر درويش في إقامته الأدبية بالمغرب أن تتمحور مجموعته الشعرية حول اللاجئين حيث اختار عنوان ” حب وألم اللاجئين ” ومقصدية مجموعته تشكيل تصور آخر إيجابي عن اللاجئ في العالم الغربي، وتجاوز ذلك التصور النمطي المبتذل الذي يسيء للاجئين كأرقام وأشياء، إنه التصور الذي ينزع عنهم الطابع الإنساني، بل يجردهم من إنسانيتهم.
ولذلك، فالمجموعة تمنح للاجئ إنسيته، فيُنْظرُ إليه كإنسانٍ ميالٍ للحب والجمال وكل القيم الإنسانية النبيلة، رغم الجراح الغائرة فهو يحن للوطن، ويرومُ الهوية، ويحارب تلك النظرة الشوفينية والعنصرية التي تكونها بعض القنوات الإعلامية عنه، أو بعض الأشخاص أو المؤسسات المتطرفة في مواقفها اتجاه اللاجئين.
كما يعشق أن يكون جزءا من المجتمع الذي يعيش فيه. وهذا ما تعكسه عناوين المجموعة ومنها: ” إلى أحبائي السوريين “، ” عزيزي اللاجئ”، وقصيدة “أنا ذاهب للوطن” التي يقول فيها:
” نا ذاهب للوطن،
حيث أنتمي إلى سوريا إلى أفغانستان
إلى كل الأماكن التي كنت بها
إلى بائعي الخضار في كابول
إلى كل شيء
إلى القبر الذي تم شراؤه لي في حلب.”
حيث الوازع الإنساني الذي يميز اللاجئين، وأن انتماءهم لا حدود له ساعين للتوحد مع بني البشر في كل بقاع العالم.
فاللاجئون عشاق الجمال أينما كانوا وارتحلوا وإن كان الوطن الأم مقيمٌ في الوجدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *