أي تراث شعبي أجدر بالاحترام والبقاء؟ الحلقة الأولى

الوطن24/ بقلم: الدكتور محمد وراضي 

ما الذي نعنيه بالتراث الشعبي؟

نعني به تقاليد وأمجادا قومية، وشواهد حضارة، وثقافة موروثة عن الأجداد. والثقافة هنا مجموع المعارف المكتسبة التي تسمح بتنمية الذوق وحاسة النقد، وقدرة الحكم على الناس وفي الأمور والأشياء.

ولا نظن أن هناك من ينكر كوننا دولة حضارة وثقافة متميزتين منذ قيام أول دولة إسلامية في بلدنا، حينما حل بها إدريس الأول، إذ كانت أول خطوة خطتها دولة الأدارسة تلقين لغة القرآن للأمازيغ الذين هم سكان المغرب الأصليون. إما عن طريق التحاوروالتواصل الشفاهيين، وإما عن طريق الكتاتيب القرآنية والمدارس العلمية التي أخذت تنمو وتتكاثر بالتدريج في مختلف أنحاء البلاد، مع التأكيد على أن حفظة القرآن في تزايد مستمر، وأن هؤلاء الحفظة يتطلعون إلى تحصيل العلوم التي يهتم بها الإسلام في الجملة. نقصد: علوم القرآن، وعلوم الحديث، وعلم النحو واللغة، والبيان والبديع، فكان أن أخذت دائرة التخصصات في الاتساع، وحتى تتسع أكثر أخذت الأسفار لطلب العلم في المشرق بالتحديد في تزايد، دون إسقاط دور تونس في استقبال المغاربة القادمين إليها من أقصى الجنوب المغربي.

وما لا بد من تأكيده تمكن العرب القادمين إلى المغرب للإقامة الدائمة من تحصيل اللغة الأمازيغية، فكان أن تم التداخل بين كافة الأطراف عن طريق التزاوج والتناسل، إلى حد أن هناك في الجنس العربي من تحول إلى جنس أمازيغي، إلى حد أنه لم يعد يتحدث بالعربية الدارجة ولا بالعربية الفصحى، مما نعتقد معه أن الذوبان في جنسية مغربية واحدة متحدة قد تحقق. فصح أن ما يعرف بالتراث من حضارة ومن ثقافة، قد شاركت كافة الطوائف في إنجازه وترسيخه وتعزيزه وتطويره، وإلا ما صح لأي كان في عصرنا هذا أن يتحدث عن تراثنا وعن حضارتنا. هاذان اللذان نميز فيهما بكل تأكيد، وبكل موضوعية بين الجيد والرديء، فيصبح من المفروض – ونحن نجددهما ونستحضرهما– أن نتغنى بالجيد، وأن نحاول إظهار الرديء وتجاوزه، بحيث يكون علينا ككتاب، وكمفكرين، وكصحفيين، وكنقاد يهمهم جميعهم إصلاح الأحوال وإبراز الغث من السمين منها، وبالتالي تحقيق مزيد من الحداثة والعصرنة، معتمدين على ترك كل ما هو رديء من الثقافة الماضية، حيث إننا نمضي في التجديد، حتى نكون مواكبين للحركات الثقافية والعلمية في العالم. والأمر هنا يتعلق بالثقافة المادية والمعنوية، وفي الوقت ذاته بالحضارة المادية والمعنوية.

إلا أن واقعنا – للأسف الشديد – يضعنا أمام ما يفرض علينا منظورا إليه في علاقتنا مع الآخرين، بحيث إننا نساير مكرهين ما يرضي الأنظمة الحاكمة المكرهة بدورها على الامتثال لما يفرض عليها، وبحيث إننا مرغمون على التضحية بالموضوعية لصالح الذاتية، وهذا النموذج من التصرفات من طرف الطبقات المتفقهة، يساهم في التخلق، ويكرس الرجعية ويشخصها، بينما الشخصنة المطلوبة لا بد أن تبدأ بتشخيص الواقع، دون أن تقطع كل صلة لها بالمفروض علينا من الأعلى، وأن تمثل المفروض في أفاعيل من تغريهم الأموال عن إظهار الحق وعن إزهاق الباطل، من باب طرح اقتراحات بديلة للتمييز بين هؤلاء وأولئك.

ولا يكاد أسبوع يمر حتى نشاهد حوارا تلفزيا عن التراث والتراثيين، وامتداح ما يرغب ومن يرغب أصحابه فيامتداحه. والمادحون – كما نرى – حريصون كل الحرص على دغدغة مشاعر أطراف بعينها لتضخيم المعطى المالي. فنرى الحوار حول الطرب بمختلف أنواعه ومصادره والمشتغلين به، فنجد كيف أن أهداف هؤلاء منحصرة في تضخيم المداخيل مقابل ما يسمونه بالعمل الفني، مما ينبغي أن نفهم معه كيف أن المتربصين بالحصول على الضخم من الأجور، لا يهمهم –بصريح العبارة – إحياء التراث، لأنه ينبغي أن يظل على قيد الحياة، وإن كانتالسفسطة تغطي كل جوانبه.

ونذكر هنا ما حصل بخصوص الولي المزور المدعو “بويا عمر”. فقد قام الصحفي المشهور ببرنامجه “45 دقيقة” بتقديم صور زيارته لموقع صاحب الضريح المذكور، وكانت صوره التي قدمها مشينة تجسد الرجعية والتخلف، والبلادة، والفكر الظلامي في أبشع صوره، وأبشع صوره، هي عندنا الشرك بالله بادعاء وجود من لهم القدرة أحياء وأمواتا على العطاء والمنع.

لكن ثائرة من يدعون أنهم من أحفاد المزور المقدس، قد بلغت حدها حين تحرك أحد الأحفاد – وهو عنصر من عناصر المجلس العلمي في المنطقة -بتهديد الصحفي المذكور ووراءه مدير قناة من القنوات التلفزية؟ ثم تطور الأمر إلى حد تدخل وزارة الصحة حينها في الموضوع، ولكن مثل هذا التراث المشين لم يتطرق إليه أحد من الصحفيين المتهافتين على وسائل الإعلام الرسمية. بل وجدنا في طريقنا نحن من يحاول تكدير كل عطاءاتنا الفكرية بخصوص دحر الفكر الظلامي في بلدنا برمته؟؟؟ والدلائل على ما ندعيه سوف نقدمها واضحة لا لبس فيها ولا غموض يلفها؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *