إشكالية الشخصية بين الثقافي والأنتربولوجي

الوطن24/ إنجاز د: الغزيوي أبو علي

تــــــــــقديــــــــم:

إن هذا المقال نعني به التحول الموضوعي للنسيج البشري الغيري، والذي بدأه مقدم العولمة، لتمزيق أوصال الدول والحكومات، وقيود التراث والشخصية على نطاق كوني، فعلى الصعيد السيكولوجي جاء هذا المقال ليندرج ضمن الهرميات التراثية التي أبدعت هذا الماضي وهذه القارة للوصول إلى هذا المأزق الأنطولوجي والنفساني الذي أبدعه الغرب لنا وفينا، فالشخصية إذن هي حق الاختلاف بجمل الحرية إلى الآخر المهمش و فجر ينابيع الإبداع المتنوع، فالشخصية إذن هي مسلمة ومقدسة فكريا ودينيا، لا ينبغي وضعها في حرج انطولوجي حاد بين الشعور التاريخي والوعي الثقافي، إذن فالثقافة تؤثر في الناحية العقلية  والمعرفية للإنسان وتعمل على الجانب التأثيري والميولاتي، وتوجهه وجهة أخرى لتجعل منه إنسانا سالما، لذا اهتمت النظريات النفسية بالشخصية، حيث اعتبرها فرويد بأنها ميدان لصراع قوي ودوافع متناقضة، لكن هذه النظرية أهملت الجوانب الثقافية والاجتماعية، مما أدى إلى بروز أدلر ويونغ اللذان أعطيا لهذه التوجهات النفسية وحولتها من بعده الإيديولوجي إلى بعده النفسي، حيث يرى أدلر أن العوامل الاجتماعية هي الأساس في تثبيت الإحساس بالنقص، أما يونغ بدوره اهتم بعقلية الشعوب البدائية1 أما رايش فقد اهتم بالعوامل الاجتماعية والثقافية في تكوين الطبع ويقول فلوجل <<لقد اتخذ انفصال أدلر عن فرويد صورة استبعاد وتضييق الكثير مما كان يعتبر جوهريا في التحليل النفسي، في حين استخدمت ثورة يونغ طريقة متقابلة هي التوسع2، لكن الطاقة الجنسية وغرائز حفظ الذات والنوع جعلت يونغ يرى بأن الذي يبدو هو الطاقة الحيوية الكلية التي تبدو لنا في صور متنوعة من النشاط الإنساني، كالحب، واللعب… فالشاعر حسب فرويد يخص ابداعاته كلها في دائرة الغرائز اللاشعورية المورثة بيولوجيا، لكن عند يونغ أن هذه الغرائز تبقى رمزية لجميع تصورات الشاعر، فهذه الأفكار يسميها يونغ بالأنماط الأولية، باعتبارها نماذج للسلوكات الرمزية المعتمد عليها في حياته الواقعية، فهذه الرؤية النقدية المرتبطة باللاشعور الجمعي حسب يونع تجعل الشاعر يلتجئ إلى المواد الأولية المبثوثة في الخزان الماضوي لتتساوق مع شروط المعرفة الإبداعية، من هنا ندرك ان الشخصية المبدعة حسب يونغ لا تخرج عن الانماط هي التفكير بالوجدان، والإحساس والحدس، فالمبدع المنبسط الوجدان فهو سهل الانخراط الانفعالي في المجتمع، أما المنطوي فهو عميق وقوي في وجدانه، لا يفصح عن انفعالاته إلا في الكتابة3 وهذا ما طرحها أدلر في كتاباته النفسية، معتبرا أن التصور والتعويض وغائية التعويض، والحاجة إلى الجماعة هي بمثابة خصائص ادراكية ونسقية تجعل المبدع أن لا يكون منطويا ولا معزولا، بل لا يكتب لنفسه، بل للآخر الجماعي، لأنه يحمل في ذاتيته الأنا الجماعية، لأن طريق الإنسانية كتاريخ للإحساس بالنقص والمحاولات لإيجاد الحلول لهذا النقص4>>. هكذا إذا أردنا ان نفهم هذا المبدع لابد من وضعه في إطاره الاجتماعي وعلاقاته الإنسانية دون استحضار ما أكده أدلر عن حظوظ الرجل في المؤسسات التقليدية والنظم المؤسساتية، وخاصة عند انتقال الأسرة من نمط أميسي إلى نمط أبيسي، فالإبداع لا حدود له ولا مكان يسيجه، بل هو زئبق ينطلق من الجزء إلى الكل، ومن الكل إلى الجزء، ليبدع لنا استدلالا جدليا سببيا وذلك لحفظ الحضارة، والذات والإبداع من التحلل والدمار، وهذه الرؤية الأنتربولوجية تهدف إلى المعرفة الشاملة لهذا الكائن الناطق في امتداداته التاريخية والجغرافية والنفسية، وهذا يقربنا من النزعات التي سار عليها الغرب مثل التطورية (التوحش – البربرية – الحضارة) كما يرى مورغان، أو الانتشارية وهو انتقال وانتشار ثقافة في مكان بعيد، وهذه النظرة الانتشارية ستعرف انتقادا من طرف الوظيفيين الذين يرون أن هذين العنصرين اعتمده الغرب من أجل إقصاء الآخر، واستعماره وذلك عن طريق الرحاليين أو الجغرافيين أو المكتشفين، وهذه الرؤية التعصبية التي عملت على عزل العادات والنظم الاجتماعية والعادات ووظيفتها حسب رؤيتها الإيديولوجية، جعلتنا نقترب من لينوفسكي الذي يرى أن كل ثقافة تتأسس على نوعين من الحاجات والدوافع، فالنوع الأول يسميه الحاجة البيولوجية الأولية، والنوع الثاني لابد من ثقافة وتنظيم محكم لتقنن ميولاته البيولوجية وهذا ما سماه بالمستلزمات الثقافية (الاقتصادي – الاجتماعي والسياسي، والتربوي) ثم اللغة، ويقول في هذا الصدد <<فالثقافة من زاوية أكثر عملية فإنها ستقدم للعلوم الإنسانية عملا نفيسا جيدا5>>. فهذا التصور المعجمي يعيدنا الى التاريخ لمعرفة النظريات والنزعات الثقافية والمعرفية التي جعلت الإنسان الغربي يعيد النظر في هذا المتخلف والمتوحش سواء من ناحية معرفية أربيولوجية او اجتماعية دون ذكر أصالة الآخر، إذن كيف نوفق بين نسبية المؤسسات الاجتماعية ووحدة العقل الإنساني؟ أسئلة كثيرة ومتنوعة تقربنا من جنس الثقافة، ومن الشخصية قصد معرفة التأثير والتأثر وهذا ما أكدت روث بينديكت في كتابها الأنماط الثقافية، فالقضية التي ارتكزت عليها هذه الباحثة الأمريكية هي دراسة الجوانب السيكولوجية في الثقافة السائدة، وأيضا دراسة هذه الشخصية في علاقتها بالثقافة لمعرفة علاقة الفرد بالجماعة، والفرد والثقافة، كل هذا هو فهم هؤلاء الأفراد والمجتمعات وهذا ما تفعله الدول الغربية وأمريكا في سياستها العربية، حيث تهدف هذه الدول المؤمركة إلى دراسة القبائل، والعادات والسلوكات العربية لمعرفة هذه الشخصية القاعدية كما يفسرها كاردينر (العالم النفساني) التي تسمح لنا في الاندماج الجماعي معها لمعرفة الشخصية الباطنية، ويقول لينتون في هذا المقام لا إن الثقافة تضمن لنا توافق هذه الأدوار مع نسق القيم والمواقف الأساسية6، إن قراءة الثقافات خارج المركز كما أكد بها (مالينوفسكي)، وهذا ما يذكرني بالصراع الذي كان قائما بين النزعة الاجتماعية والنفسانية، وهذا الصراع له خصوصية متميزة، تجعل الشخصية تختلف حسب اختلاف الأفراد والانتماء، والإيديولوجية كما يقول لينتون في كتابه المذكور أنفا، بينما نجد الباحثة الأمريكية ماركريت هيد في كتابها – العادات والتقاليد في جزر ساموا – أن المراحل التي يخضع إليه الإنسان الساموي لا تتطابق مع المجتمع الأمريكي، لأن مرحلة المراهقة بالنسبة للأمريكي أو الفرنسي أو الألماني يعاني ويكابد ويعيش أزمات نفسية وانحرافية، بينما الشاب في الساموا يعيش المراهقة بدون مشاكل، ولا عقدة أوديب أو عقدة ألكترا، وهذا كله راجع إلى الوسط العائلي والاجتماعي ونماذجه المعروفة حيث يلعب دورا مهما في تكوين وبناء الشخصية أكثر ما تلعبه العوامل الطبيعية ولا البيولوجية كما في بعض قبائل غينيا الجديدة كما ترى هيد، لأن المراهق الغيني يميل إلى التعاون والمساعدة بدل الصراع والانتقام كما في الغرب، فالتدبير يمارس في إطار الظروف المحيطة سواء كانت انفعالية أو سوسيوثقافية، أو انتربولوجية، أو اجتماعية، وحضارية، تتشكل في مسار التواصل بين الناس، ويجب الإشارة إلى أن هذه العلاقة لا تبدو لنا بصورة واضحة في حياته، وخاصة في تعامله مع الأعمال الأدبية وتبدو لنا واضحة المعالم من خلال تعايشه مع المدرسة، والأسرة، والشارع، والسلطة7، فالوراثة الجنسية كما ترى كارين هوزي هي واحدة من أخطر المعيقات لتطور التحليل النفسي8. إذن تطالب هذه الباحثة الألمانية بأن نكشف عن العلاقة التصادمية بين الميولات الثقافية والتعاون، ونوعية الصراعات المشخصنة في العائلة وفي المجتمع، لأن الشخصية الغريبة تعيش الرفاهية والحرية، والمساواة، ولكنها غارقة في العدوان، والإجرام، والانحراف، مما يجعل هذه الشخصية تعيش الانفصام، والهذيان إلى حد الجنون كما في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، فالروابط بين التمدن الحداثي والصراعات الداخلية تجعل العلاقات الاجتماعية والأسرية تفقد صلابتها، ومركزها نظرا للقوانين، وكذا البعد العلماني، مما جعل الدول الأسيوية والإفريقية لا زالوا يعيشون الألفة بين العائلة، والأسرة، كما يقول سيمسيل و أورتكيز في كتابهما المعنون أوديب إفريقي، فهما يقولان أن عقدة أوديب لا تظهر كما في الغرب، بأن الافريقي يكبت مشاعره، وغرائزه لكي يظهر بأنه شخصية سوية كما في السنغال حسب المؤلفين، فالتحليل النفسي رغم ولادته الأوروبية، فإنه لا يتلاءم مع العادات والتقاليد المخالفة للغرب، فيبقى السؤال المركزي: كيف نبدع تحليلنا ومناهجنا؟ لذا نرى أن المدرسة الثقافية اليوم ترى أن المسلمات التي ورثناها عن داروين، وفرويد، ولاكان، ورايش وبياجي، تبقى نظريات مختلفة عن خصوصية الإنسان العربي البدوي و الإفريقي رغم السمات المشتركة فيما بيننا سواء على المستوى الإنثنوغرافي، أو الثقافي أو الديني، وتبقى أطروحات الغرب كحكايات تسوده وتسود مجتمعات أخرى بطريقة سلبية وليست إيجابية، فالشعور بالتفوق الثقافي والعلمي المركزي يجعل الشخصية المهمشة لا تعيش المعالم النفسية بكل ترساناتها التمثيلية أو التصويرية أو التجسيدية، بل أن الشخصية تولد داخل مجتمع ما، فهو يولد أيضا داخل ثقافة خاصة تشكل شخصيته، فالثقافة هي الإطار الأساسي والوسط الذي تنمو فيه الشخصية وتترعرع، حيث أن لكل فرد شخصيته الخاصة به، نرى أنهم يتشابهون في طابع الشخصية العام الذي تتميز به ثقافتهم9. وانطلاقا من هذا الطرح المتبلور ندرك أن الانسان ليس وسيلة، بل هو غاية، وقيمته تتجلى في وعيه لذاته للوجود وللتطور، هكذا عملت العلوم النفسية بإعادة الإنسان ككائن طبيعي، وليس مستلب كما يقول هيدج، فالإنسان ليس شيئا كما أرى، بل هو كائن اجتماعي وسياسي وغريزي وفكري، لأنه يأخذ جذارته من التربية والأخلاق والعمل وليس من الطبيعة الخارجية كما يرى كانط، إذن فشخصية الإنسان لا ينبغي أن تكون متذبذبة ولا سالبة كما يرى هيدج، بل لا يدمن التفاعل كما يرى غستروف، لابد أن يكون أناويا في ذاته، بل أن يؤسس شخصية انطلاقا من مرآة الآخر، فالبحث عن التاريخ الثقافي العربي هو بحث عن هذه الذات المعطوبة والمسلوبة باسم التقدم والتطور، لأن اختلاف الظروف التاريخية هي التي تتكفل برعاية هذا المذهب السيكوسوسيولوجي والأنتربولوجي، والنفساني، لأن الوعي بالتقدم والحداثة، وما بعد الحداثة كلها نزعات تاريخية تطورية، موضوعها التاريخ الغير الغربي، لأن سياسة السيكو الثقافية هو حفظ البقاء والتطور من أجل استمرار النوع البشري الأبيض فالعقل الغربي هو مناقض لمجتمعات غيرية التي لازالت تعيش إما الحداثة التنويرية أو ما بعد الحداثة التي تسمي نفسها، إنها رؤية مسالمة وغير متناقضة مع المجتمعات الباردة، لأن الشخصية العربية يريد دوما التحرر من العصبية القبلية لكي يندمج في سجل الحداثة، فرؤية الغربي إلى الأسيوي والإفريقي هي رؤية مؤدلجة وغير عقلانية، لأنه يرى فيه الاستبدادي، والقهري والمتخلف واللاعقلاني، لذا اعتبر مورغان بان جميع الديانات البدائية بشعة وإلى حد ما غير مفهومة، ويضيف فريزر Frazer أن الممارسات الطقوسية والأساطير لدى الجماعات البدائية هي بمثابة ماسي مزمنة لكل أخطاء هذا الإنسان، وأنها جنون وتفاهة، حتى الزمن الذي تعيشه هذه الجماعات هو زمن ضائع وغير صانع، وهذا ما نجده في كتاب la mentalité prémitive – العقلية البدائية لليفي برويل – Levy Bruhl  – الذي يؤكد فيه أن العقلية الغربية هي عقلية مرتبطة بالحضارة الغربية، لأنها تتأسس على العقلانية وعقلنة الزمكان، وأن الإنسان الغربي خاضع لتقنيات العقلانية والموضوعية والسيكولوجية العلمية، أما الشخصية العربية المقهورة لا تخضع للعقل، بل لقوى غيرية وغيبية، وللطبيعي وللوهمي، حيث يصبح التمييز بين هذه الثنائية الميتافيزيقية سهلة، لأن هذا العربي مكبل بالسحر وبالخرافة وبالشعوذة وما الى ذلك، هكذا يرى ليفي أن هذه الشخصية لا تحدد المكان ولا الزمان بالشكل القياسي أو المنطقي الرياضي، بل يتداخل فيه البعد الخرافي والواقعي، ويبقى العربي مكبلا بأمراس من التقليد، لا يستطيع أن يكسر هذا الصنع الذي لا صنع له، بل يظل أن يحلم أن يرحل إليه لأنه يقدم له الحرية، والعمل والسعادة، بدل الشفاء، والقهر والخنوع والغربة كما يعتقد، رغم أن سبنسر يرى أن المجتمع البشري هو جسم مجتمعي، ينمو ويتطور ويتحول لكي يبني ذاته كأعضاء وكوظيفة اجتماعية وكفيزياء اجتماعية كما يقول أوغست كانط Auguste comte وهذا تكسير لهيمنة الشخصية الغربية التي تدعي القيم والأفكار العقلانية، لكن إذا نظرنا من منظور العقل النقدي نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن نهدم هذه الأصنام التي لم تعد قادرة على استجابة حاجيات المجتمعات العربية؟ وهل التقدم كوني أم غربي؟ هل ما بعد الحداثة هي مطلقة ومصيرية أم نسبوية؟ وهل آن الأوان أن نعيد قراءة الغربي بالعقل النقدي العربي كما يرى الجابري، وطرابشي وعزام، وأومليل، ويافوت، وصلاح فضل، ومحمود اسماعيل وغيرهم من النقاد الجذريين؟ لذا ولدت أزمة هذه الشخصية السيكولوجية الغربية مع التحولات المجتمعات الأسيوية، والإفريقية وجنوب أمريكا، فهذه المجتمعات اعتبر هذا المركز شادا و غير قياسي، إذن لابد من التميز والتفرد وذلك عبر مستويات عدة، منها أن هذه البشرية الغيرية تمتلك الفكر والتقنية والأخلاق، والمعرفة، وأن الثقافة بالنسبة لهذه الجماعة هي فطرية وعضوية، لذا أصبح التكوين المنظوماتي الشخصي ليس عرقية ولا خاصية غير قابلة للملاحظة، والفرضية والملاحظة، والتجربة، وأخيرا استنتاج عام، وهذه الرؤية الاجتماعية والثقافية، جعلت النظام الثقافي العام يتأطر داخل المجموعة البشرية، علما منا بأن الثقافة هو جهاز أداتي يسمح لهذه الذوات بأن تبني عوالمها بشكل أفضل المشاكل المشخصة والخاصة التي ينبغي عليه مواجهتها داخل الوسط الاجتماعي، فهذه الكائنات البشرية الغيرية تربط فيما بينهما علاقات معينة، اي كائنات غير مصطنعة كما يفعل الغرب، بل هي علاقات ثقافية واجتماعية ونفسانية، فالشخصية السيكوسيولوجية هي نسق ودينامي كما يقول هالينوفسكي في كتابه << نظرية علمية حول الثقافة>>، إذ تعمل هذه الشخصية كل ما في وسعها بالتكيف مع الوسط، والزمان، من أجل تسجيل حضور البقاء كالنمل أو النحل، ويرى راد كليف براون في كتابه “البنية والوظيفة في المجتمع البدائي، أن النسق والاستمرار الاجتماعي هو بمثابة نظام للتكيف”ص46، فالتكيف هو فلق وابداع توازن مجاله الثقافة، والتفاعل والتواصل وقوة تجاوز كل الظواهر الشاملة والكليانية الغربية، فالشخصية العربية اليوم غير قادرة على بناء نسقها الثقافي والسياسي والاجتماعي نظرا لغياب الضمير الجمعي أو الشعور الكلياني الذي يعتبر الوجه الأساسي العام في المجتمعات، فيبقى الإنسان العربي يحلم بحياة الرفاهية، وكذا التسلق الطبقي دون مراعاة الهامش، لذا نجد تناقض بين القاعدة والقمة، وهذا التناقض يقربنا إلى السؤال الجوهري، هل نحس كما يحس الأوروبي أو الأمريكي أو الصيني والسوفياتي؟ أم أننا خارج الأحلام والسعادة؟ أسئلة تشق الذاكرة وتداعب الوعي ليكون لا واعيا، غايته الاستهلاك وليس الإنتاج ولا الإبداع، فالإنسان العربي ينبغي أن يعيد النظر في ماهيته، ووجوده ونظره إلى الآخر كما قلت10، فإعادة النظر هي التي تجعلنا نحس إحساسا شديدا بالسلطة وبالسيادة، والقانون، والدستور والحكم، كل هذه المفاهيم خاضعة للملاحظة الحسية والبصرية، فهي حقائق خاضعة للعوامل النفسية الداخلية والخارجية، لأن الحقائق الاجتماعية تكون سابقة عن الأفراد، فهي التي تضع الذات والتاريخ والمجتمع، وليس الفرد وحده القادر على التسيير والقيادة بل لا قيمة للفرد إلا داخل الجماعة، حيث يكمن الطابع الأخلاقي والتضامن الاجتماعي كما يرى دوركايم11، إذن ما الفائدة من هذا المقال الذي يطرح قضية الشخصية وما الفائدة من هذا التنوير النفسي والأنتربولوجي إذا لم يخاطب ضمائر الناس وعقولهم، إذن أن قيمة الثقافة تظل هي الطاقة التي تبدع اللغة، والذات، والكون والرقي والتقدم كما يقول موريس أبو ناصر في كتابه “التنوير في إشكالاته ودلالاته”ص36 – 37، إذن فالشخصية العربية لابد لها من إعادة قراءة المفاهيم المستهلكة من طرفه كالحداثة، والعولمة، والمركزية، وما بعد الحداثة، والتفاعلية، والثقافية، كلها قراءات التي تدعو إلى تطوير أساليب تعليمنا، وثقافتنا وسلوكاتنا من أجل مواكبة المنظومة العالمية، وتجاوز كل النواقص المقاراباتية لهذه الشخصية المعروفة تاريخيا، وحضاريا، ومعرفيا، إذن هذا الوضع الذي نعيشه اليوم نفترض مساءلة المقاربة النقدية المؤطرة لدرس الشخصية قصد تقويم كفايتها المعرفية والوقوف على استراتيجيات تصريفها في الممارسة الواقعية.

المــــــراجـــــــــع:

1- s T – selesnik, FG Alexander <<Histoire de la psychiatrie>> ed Armaud colin u paris 1972 p24.

2- كلفن هال – أصول علم النفس الفرويدي نر الشنيطي – دار النهضة بيروت.

3- G Robein <<Psychanalyse et Antropologie>> ed Gallimaud 1967 p65.

4- Alder : Le sens et la vie poyot num 90.

5- B.Malinovski <<une théorie scientifique>> ed point col Maspero.

6- فرويد – مساهمة في تاريخ حركة التحليل النفسي فرويد – ترجمة ج طرابشي دار الطليعة ط2 – 1982.

7- فلوجل <<علم النفس في مائة عام>> ترجمة لطفي فطيم – دار الطليعة بيروت.

8- R linton : la fondament scientifique de la culture ed dunad.

9- M. Cecile et ortigues <<oedipe africain>> col 10 – 18 – 776.

10- مصطفى الحداد “اللغة والفكر وفلسفة الذهن” ط1 – 2013.

11- Haus Hormom « introduction à la psycholinguistique larousse » – Paris 1972.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *