استراتيجية التقارب السعودي الإيراني: أي تحديات مستقبلية؟

الوطن24/حسن حلحول* 

وأخيرا وقع التقارب بين السعودية وإيران بوساطة صينية، تم من خلالها إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين من أجل التخفيف من حدة الصراعات في المنطقة، في الأمس القريب كانت الحرب الكلامية بين البلدين على أشدها لا يمر يوم إلا والاتهامات المتبادلة والمضاد بين الطرفين كانت تسيطر على الجو العام، وتصل في بعض الأحيان إلى ترجمتها على أرض الواقع وذلك بالاصطدام المباشر بالوكالة (سوريا لبنان اليمن).
إن السؤال المطروح بإلحاح هو كيف نجحت الصين في التقريب بين البلدين؟ وكيف استطاعت أن تؤثر على البلدين في غياب امريكا؟ وهل هذا التقارب هو دفن الصراع بين السنة والشيعة؟ وما موقف الدول العربية الحليفة والشريكة للسعودية من هذا التقارب؟ وهل من خلاله يعقبه التقارب مع الدول العربية اخرى لطي صفحة الصراع مع ايران؟ وهل تعتبر إيران هذا التقارب تكتيكي ام استراتيجي؟

** الصين تدخل بثبات في سياسة الخليج.
على ما يبدو أن الصين اشتغلت جاهدة على ملف السعودي الإيراني منذ مدة في عز الخلافات بين البلدين فكانت عازمة على النجاح فيه لتبرهن للعالم أن تفوقها الاقتصادي والعسكري لن يكتمل إلا بالتفوق الدبلوماسي على مستوى العالم، فاستطاعت أن تفاجئ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل عن توقيت إعلان وهذا لا يعني أن المخابرات الأمريكية والاسرائيلية كانت غافلة عما يجري من التحركات بخصوص هذا الموضوع، فهذا الإنجاز الكبير أبهرت حتى الدول العربية والإسلامية التي عجزت عن التوسط بين القطبين السني والشيعي.
إن ما قامت به الصين بهذا الخصوص هو عمل كبير وتحول جذري في سياستها الخارجية ،وكان انطلاقة وبداية إعلان للعالم أنها قادمة بقوة لتقود العالم على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية، وأن الأحادية القطبية التي تقود به الولايات المتحدة العالم بات متجاوزاً، وأنها في نظرها أي الصين جاءت لتخلص العالم من قبضة الدولار وتحرير العالم من عبوديته.
أن خرق تنين الصني لحلفاء وشركاء التقليديين للغرب مثل السعودية هي رسالة قوية ترسلها من أجل فتح أمامها المجال لتساهم في قيادة العالم الإسلامي ومن خلاله قيادة العالم.

بيد أن المسألة الجوهرية والأساسية في قراءة هذه الخطوة، من المستفيد منها ومن الخاسر؟ إن المبدأ المتفق عليه في العلاقات الدولية التي ترسمها أمريكا هو لا وجود لأي علاقة دون أهداف ومصالح أي ليس لها اصدقاء دائمون وليس لها أعداء دائمون ولها مصالح دائمة أما الصين فإنها تسوق مبدأ آخر لقيام العلاقات الدولية وهو وحدة المصالح المشتركة بين الدول وارى أن هذا المبدأ هو تكتيكي في المرحلة الراهنة التي لم تتمكن بعد من قبضة العالم، ولما يكون لها ذلك سيكون كلام آخر ستشدد أكثر من امريكا لتحافظ على مصالحها، وأن ما يقع بين الأفراد يقع بين الدول فعندما اخرج الرئيس” شين جي بينغ “في المؤتمر 20 للحزب الرئيس السابق “هو جين تاو” الذي كان جالسا على يساره في الجلسة الختامية بتلك الطريقة الغامضة والمهنية أمام الملأ لأنه ربما كان سيكون منافسا له خصوصا لم يكن سيسمح له بإعادة ولاية ثالثة، يستفاد من ذلك أنها رسالة قوية عما سيكون عليه العالم،أي هكذا سيكون مصير كل دولة كيفما كانت ستحاول تهديد أو عرقلة مصالح الصين العليا فإنها ستزيلها، فالصين لم تقدم بهذه الخطوة حبا في الدول الإسلامية وإنما لها اجندة بعيدة المدى تشتغل عليها، وهي أنها تؤسس إلى تقويض النفوذ الأمريكي على اكبر دول العالم تصدر البترول والغاز ( السعودية وايران ) إن نجاح الصين في هذا التقارب يتمثل في استمالة السعودية وإخراجها من فلك الأمريكي باعتبارها الحليف الاستراتيجي الذي تعتمد عليها أمريكا في بلورة قراراتها وتصريفها إلى باقي الدول العربية ،فالسعودية ترى أن مصالحها تكمن في تغيير الحلفاء والتخلي عن اتباع السياسة القيدمة التي انتهجتها مع الولايات الأمريكية وخاصة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب المبنية على أساس أن حماية الأمن القومي للسعودية من خطر المد الشيعي لا يتم إلا بشراء السلاح والحماية العسكرية لها، وهذا ما لم يتم وكان الفشل السعودي من حماية أمنها من السلاح الإيراني ذريعا اتخذتها ذريعة من أجل نهج سياسة التقارب والمهادنة بدل التصعيد والاعتماد على الاخر، مقابل حصولها على الضمانات البديهية وهي أن تبقى المناطق السنية في الدول العربية التي تعرف صراعات مع الشيعة خاضعة لها كالبحرين والعراق ولبنان واليمن… لن تخضع للابتزازات الإيرانية لتجنب إعادة سيناريو الصراع السني الشيعي.

أما إيران نظرا للعداء التاريخي لأمريكا منذ الثورة الإيرانية (أي منذ اقتحام ومحاصرة السفارة الأمريكية في طهران في السبعينات من القرن الماضي 1979) والحصار الاقتصادي المفروض عليها إلى الآن، فإنها ترى أن التقارب في حد ذاته هو كسر للحصار وانفتاح جديد على العالم العربي والإسلامي، خصوصا وأنها استفادت الشئ الكثير من حرب الروسية الأوكرانية، وان أي تجديد للعهد مع الدول العربية هو نجاح للدبلوماسية الإيرانية وفشل لامريكا، وبالتالي فإنها من السهل أن تقبل بالوساطة الصينية نظرا للعلاقة الاستراتيجية التي تربط بين البلدين وبالتالي فإن الصين لن تجد صعوبة في استمالة وإقناع إيران، كما أن إيران أكيد أنها تلقت وعودا من الصين فيما يخدم مصالحها في المنطقة كحماية المناطق الشيعية في الدول العربية لتفادي حدوث أي صطدام بين الطائفتين والانفتاح بينها والتعايش والتزاوج فيما بينها.
عمليا من خلال هذا الاتفاق الناجح للصين يعد بمثابة إعلان عن انتقال السعودية غير المباشر إلى التحالف الصيني الإيراني الروسي.

إن بعض المحللين السياسيين العرب ذهبوا بعيدا في تفسير هذا التقارب، اعتبروه أنه بداية نهاية اسرائيل كأن هذا التقارب موجه ضدها ،وهذا غير صحيح لأن لا أحد ينكر أن اسرائيل دولة عسكرية كبيرة ليس في المنطقة فحسب بل في العالم وبالتالي فإن زوالها بهذه الكيفية البسيطة كما يرونه هو تحليل سطحي لا ينبني على حقائق موضوعية وواقعية، لا يجب أن ننسى أن اسرائيل كانت لها علاقة جيدة مع ايران في الثمانينات من القرن الماضي وكانت تزودها بالسلاح إبان الحرب مع العراق، كما أنها تربطها علاقة وطيدة مع السعودية لم يسبق لها مثيل، إذن التقارب موجه من أجل تحقيق الأمن والاستقرار السياسي في المنطقة ،ولم يكن أبدا من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية، وهذه المحاولات كانت لها إرهاصاتها في القرن الماضي وليس جديدا حتى قبل القطيعة الدبلوماسية بين البلدين، ولكنها لم تنجح لأنها لم يرد لها أن تنجح ،ولما تغيرت الظروف العالمية خصوصاً ظهور الصين كلاعب أساسي وسياسي من اللاعبين الكبار، والحرب الروسية الأوكرانية ونقصان الوقود الحيوي البترول والغاز في العالم بعد العقوبات القائمة على البترول والغاز الروسي، جعل السعودية تتخذ قرارات مصيرية تخدم مصالحها من هذا الموقع رأت أن فتح قنوات الحوار مع ايران مباشرة عن طريق الهيئة الدبلوماسية يخدم مصالحها أكثر مما يضرها ولا فائدة من البقاء على الجفاء والجمود بين الدولتين .

لا يمكن أن تطمئن كثيرا لهذا التقارب إلا بعد أن يمر عليه الوقت الكافي وما ستسفر عنه العلاقات بين البلدين، من الاتفاقيات والتزامات بينهما خصوصاً أن التداخل بين ما هو عقائدي بما هو سياسي عادة ما يصطدم ويكون الترجيح والتغليب لما هو عقائدي ديني على ما هو سياسي.

*باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *