اغتيال المحاكمة العادلة (سلب حرية الأشخاص بالتطبيق الاعمى للقانون) بين المواد 551 و532 و608 من ق م ج (تحليل سيميوطيقي)

حسن حلحول عضو سابق بهيئة المحامين بالرباط

الوطن24 

لقد وقعت الواقعة ليس لها دافع إلا التطبيق الأعمى للقانون، كشفت الكاشفة عن اغتيال المحاكمة العادلة، وسلب حرية الأشخاص غصبا بدون سند قانوني، هي أمور دفعتني إلى أن أكتب في نازلة حدثت أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بغرفة جنايات الأموال الاستئنافية، والتي أطرحها للنقاش، وهي قضية مفادها أن متهما أدين بخمس سنوات بغرفة الجنايات الابتدائية، وقد تم تأييد القرار الاستئنافي، ثم تم الطعن فيه بالنقض، فقضت محكمة النقض، بالنقض والإحالة، على أساس أن المحكمة المصدرة للقرار المطعون فيه بالنقض، قد أخطأت في تعليلها عندما أعطت تعليلا شاملا غامضا يخص كل المتهمين، ولم تخصص تعليلا للمتهم المعني بالأمر، فضلا على أن هذا المتهم لم يمتع بظروف التخفيف.
إن كثيرا من النصوص القانونية، تُقرَأ قراءة خاطئة، قراءة غير علمية للنصوص، ويتم بذلك اغتيال المحاكمة العادلة، ومن ثم هدر حرية الأشخاص، التي تعتبر حرية مقدسة دستوريا، ولا يجب المساس بها، كما لا يجب أن تكون ضحية للقراءة الخاطئة للنصوص القانونية ، وإن بذلك نجد أن أرجح المناهج البيانية وأكثرها ملاءمة، هو التحليل “السيميوطيقي”، الذي يهدي الى صواب التحليل والتفكير.
يلاحظ من خلال مقتضيات المادة 551 من ق م ج، ومن خلال صياغتها و الملفوظات المستعملة، أنها ترسم لنا الحالة بناء على العلاقة المتصلة والمنفصلة، الكائنة بين فاعل الحالة (المحكمة) وبين الموضوع القيمة، الابقاء رهن الاعتقال الاحتياطي / الإفراج الفوري، أي يجب التمييز بين زمن التراخي في الاعتقال والزمن الآني الفوري للافراج.
ما هو النص ومقومات النص باختصار: هو تلك الغاية المراد إيصالها وهي العلاقة البنيوية التي تحدد النص كخصوصية لهذا النص أو ذاك. وذكر العالم اللغوي كاريل هاوزنبلاس (أن النص مرتبط بموقف اتصالي، له مؤلف ومخاطب ويقدم مضمونه من منظور ذات معين ومنظور مكاني وزماني)
إذ تنص المادة المذكورة أعلاه، على مايلي:”إذا تعين على المتهم الحضور من جديد أمام غرفة الجنايات بعد إبطال القرار الصادر ضده، فيبقى في حالة الاعتقال الاحتياطي إلى أن تبت المحكمة المحالة إليها الدعوى .
يفرج فورا عن الشخص المتابع الذي أبطل القرار ضده بدون إحالة”.
إن الملاحظة الأساسية، هي أن هناك فعل الحالة وفاعل الحالة وموضوع القيمة.
الاعتقال الاحتياطي / والإفراج الفوري.
تحقق عمليتين اثنتين : الإنجاز الإجرائي الذي يغير العلاقة من حالة اتصال إلى حالة انفصال.
هناك ثلاث حالات في النص.
حالة المتهم الذي انتهت عقوبته بعد النقض والاحالة، وبقي الملف يروج أمام غرفة الجنايات الاستئنافية ، وأثناء سريان إجراءات المحاكمة وعدم القيام النيابة العامة بالواجب من أجل إحضار المتهمين أنهى المؤازر عقوبة خمس سنوات التى حكمت به محكمة الجنايات الابتدائية، كما هو الحال في ملف النازلة. فإنه في هذه الحالة يلزم الافراج عن المتهم بقوة القانون، وإلا سوف يكون في حالة اعتقال التحكمي، ولا يمكن اعتباره في حالة اعتقال احتياطي وفق منطوق المادة 551 من ق م ج، لأنها مقتضيات لا تنطبق عليه مطلقا، وما يفسر الفقرة الأولى هو ما جاء بالفقرة الثانية، التي سيتم شرحها في الخانة رقم ثلاثة.
ثم هناك حالة عدم إنهاء العقوبة، ليتم اتخاذ قرار النقض والاحالة،
فالمتهم في هذه الحالة ، وهو مدان بعقوبة حبسية لم ينهيها بعد، ثم بعد النقض والإحالة، أرجع إلى محكمة الاستئناف وهو مضمن لنقطة لفائدته، ليرجع إلى حالة الاعتقال الاحتياطي. إلى أن تنتهي المحاكمة ما لم ينهي عقوبته، التي تخول له إنهاء حالة الاعتقال الاحتياطي.
وهناك الحالة التي يفرج عن المدان فورا ،بعد النقض دون إحالة، هذه الحالة التي وردت في الفقرة الأخيرة من المادة 551 ق م ج، والتي تفسر لنا الفقرة الأولى، التي يبقى فيها المتهم في حالة اعتقال احتياطي، إذا لم ينه العقوبة المحكوم بها،
أما حالة التي يفرج عليه فيه فورا، بعد النقض دون إحالة، فإن المتهم هنا يطلق سراحه وجوبا سواء وجد في وضعية إنهاء العقوبة أم لم يكن قد انهاها بعد، إذ أن النقض بدون إحالة، يخول للمحكمة الإفراج عن المتهم فورا.
إن الظاهر كن التطبيق الأعمى لهذا النص (الفقرة الأولى منه)، خاصة بقراءة العبارة: “فيبقى في حالة الاعتقال الاحتياطي ” التي استلبت النظر كنقطة حارقة ، يصعب الاقتراب منها من خلال مفهوم المخالفة، إن لبس هذه العبارة جعلتها تغتال المحاكمة العادلة، وتفتح المجال واسعا للاعتقال التحكمي، يبقى المتهم رهن الاعتقال بدون موجب حق ودون سند قانوني، عندما تعتمد المحكمة على تفسير النص ضد المتهم وليس لصالح المتهم، وفق المبدأ الأساسي في السياسة الجنائية (العقوبة الأصلح للمتهم المادة 6 من ق.ج)، فكثير من المعتقلين هم في السجن رغم إنهائهم للعقوبة، فيتم ارجاعهم بأثر رجعي إلى مرحلة الاعتقال الاحتياطي بدون سند قانوني.
قلنا هذا والدليل على أنه يتم التطبيق الأعمى، للفقرة الأولى من المادة551 و كذا المادة 532 من ق.م.ج، هذه المادة الأخيرة التي تنص على أنه:”يبقى المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية، رهن الاعتقال إذا كان معتقلا احتياطيا، وذلك أثناء أجل الطعن بالنقض أو حالة تقديم هذا الطعن، غير أنه يفرج عنه بمجرد ما يقضي العقوبة المحكوم بها عليه، يفرج كذلك في الحال…..”
إن الثابت من قضاء الحكم دائما عندما ينظر في قضية معينة ،سيما وأنه إذا كان مناطها سلب حرية الأشخاص والقضاء هو الوحيد المؤمن عليها كما يؤتمن الطبيب الجراح على مريضه في غرفة العملية الجراحية لينقذ حياته، فإذا كان الشخص أنهى العقوبة المحكوم بها على أي أساس يرجع من جديد الى حالة الصفر أي مرحلة الاعتقال الاحتياطي،
فالمادة 532 من ق م ج واضحة الأصل أن الشخص إذا قدم الطعن بالنقض غير أنه يفرج عنه بمجرد ما يقضي العقوبة المحكوم بها عليها، يفرج كذلك في الحال .. ، أكيد أن هذه المادة 532 ق م ج لم تغب عن المحكمة ولا عن النيابة العامة التي تدافع عن المجتمع وتعمل على احترام القانون.
فبمجرد أن يقضي المدان العقوبة المحكوم بها عليه. وفي الحال ملفوظة الحال وردت هنا وهناك وردت ملفوظة فورا،
هذه الملفوظات المترادفات في اللغة، ويمكن القول أن في الحال أي في التو يستغرق في الفور، يستفاد من هذا أن النص الواجب التطبيق في حالة النقض والاحالة إذا كان السجين أنهى عقوبته المحكوم بها هي المادة 532 يفرج عنه حالا خصوصا إذا كانت نقطة النقض والإحالة في صالحه، بدل 551 التي تتحدث عن من لم ينه بعد عقوبته ،ولما يتم النقض بدون إحالة يفرج عنه فورا، كحالة إنهاء العقوبة تساويها في ترتيب الآثار القانونية.
إن ما يؤكد كذلك أن الإبقاء الشخص في حالة الاعتقال الاحتياطي بعد انتهاء العقوبة ، اعتقال تعسفي غير مبرر
إن ما يقوي هذا الطرح المادة 608 ق م ج التي تنص” لا يمكن حرمان شخص من حريته إلا بمقتضى سند صادر عن السلطة القضائية يأمر باعتقاله احتياطيا أو بناء على سند يأمر بتنفيذ مقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به صادر عن هيئة قضائية يقضي بعقوبة السجن أو الحبس أو الاعتقال أو الإكراه البدني مع مراعاة مقتضيات المادتين 66 و80 من هذا القانون المتعلقين بالوضع تحت الحراسة النظرية”
العلة المنطقية في هذا النص أنه لا يمكن حرمان أي شخص من حريته إلا بسند صادر عن المحكمة، فإذا كان في نازلة الحال ان المتهم قضى العقوبة المحكوم بها عليه، فليس ثمة أي سند تستند عليه المحكمة لابقائه في حالة الاعتقال تحت ذريعة أنه يبقى من جديد في حالة الاعتقال الاحتياطي إذا تعين على المتهم الحضور من جديد ، إن المشرع استعمل ملفوظة الحضور ولم يستعمل لفظ الإحضار، الفرق بين الحضور والإحضار، الأولى تعني قدوم الشخص بإرادته وبحرية كلمة الحضور مسبوقة في النص” بإذا ” التي تعني الشرط ودلالتها تفيد ما يستقبل من الزمان، والإحضار يفيد
قدومه جبرا يتم الحضور جبرا من قبل المؤسسة السجنية.
إن المادة 608 ق م ج يرسم لنا حدود الاعتقال وسند وجوب بقائه في حالة الإعتقال .
إن كل هذا النقاش والجدال التي تسلب فيه حرية الأشخاص، وتغتال فيه المحاكمة العادلة ، لو أن محكمة النقض تتمتع بتطبيق آلية التصدي ولها الحق في ممارسته خصوصا في مثل هذا النوع من القضايا الخطيرة ، لوفرت كثير من الوقت الذي يضيع بين رفع قضية إلى محكمة النقض وانزلها الى محكمة الاستئناف،
إن حرية الأشخاص مصونة دوليا، وليست مطلقا موضوع إخضاعها للتجربة ، منصوص عليها دستوريا ينص الفصل 23 من الدستور على انه ” لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص او اعتقال …”
خلاصة القول إن المادة 551 ق م ج الفقرة الاولى تعالج حالة الشخص الذي أصدر قرار بالنقض والاحالة ولم ينهي عقوبة المحكوم بها، يبقى في حالة الاعتقال الاحتياطي أي يرجع إلى المرحلة الحكم الابتدائي ، ما أن ينتهي العقوبة يطلق سراحه حالا حتى ولو كانت محكمة الإستئناف الجنايات لم تبت بعد في نقطة الإحالة من النقض.طبقا للمادة 532 من ق م ج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *