الأستاذ نورالدين افليس في حوار: “الحجر الصحي بالمغرب وأزمة تفشي كورونا”

الوطن 24/ حاوره: عبد الهادي العسلة (مدريد)

كعادتها الوطن 24 تواكب ما يقع في العالم جراء تفشي “جائحة كورونا” وتداعيات ذلك على المغرب، لتنقل لكم إنطباعات كتاب وباحثين وفنانين وفاعلين سياسيين وحزبيين وجمعويين حول فيروس كورونا وكيف تفاعلوا مع زمن الحجر الصحي…

وفي هذا الصدد ربطنا الإتصال هاتفيا من مدريد، واستضفنا من خلاله محاورنا الأستاذ نورالدين افليس أبو نسيم من مواليد 1959 بمدينة سوق أربعاء الغرب. بدأ دراسته الإبتدائية بمدرسة السعديين، والإعدادي والثانوي بثانوية سيدي عيسى ثم تابع دراسته الجامعية بفاس (كلية الآداب والعلوم الإنسانية، والمدرسة العليا للإساتذة).

نورالدين افليس

حاليا أستاذ التعليم التأهيلي بثانوية الأمير مولاي عبد الله التقنية بمدينة سيدي قاسم. وقد سبق له أن شارك في البعثة الوزارية لتربية والتعليم كأستاذ للأدب العربي بسلطنة عمان الخليجية.  

   ضيف الحلقة (14) من سلسلة حوارات “الوطن 24”.

 

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]

*السلام عليكم سي نور الدين أفليس..

أخي الفاضل الكريم الودود الحنون الخدوم المعطاء البهي …

أعلم كما تعلم أنت كذلك أن الحوارمعك جميل ومؤنس ومفيد خصوصا وأن الموضوع المطروح للنقاش والدردشة شائك ومهم وبؤرة الساعة المتوترة بكل المقاييس نفسيا وفكريا وإقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا.. والحق أننا كلنا مطالبون بالإهتمام ومعالجة والتصدي لهذه الجائحة المقيتة .. ولعل أسئلتك التي اطلعت على فحواها قد أصابت كبد الحقيقة وأثارت فضولنا بل حركت في دواخلنا الشيء الكثير مما يمكن قوله وكتابته والإدلاء بمعلومات حوله.. فتحية مني إليك أخي العزيزوإلى  كل من يشاركك هذه المهمة والمسؤولية الجسيمة من طاقم نشيط فعال وعاملين متفانين أكفاء يأبون كل واحد من موقعه إلا التحدي والتميزوالرقي بجريدتنا المفضلة “الوطن 24” تحت إشراف وبريادة مديرها الوسيم المهذب الخلوق السي عبد الهادي العسلة الذي أحييه من هذا المنبر شاكرا له صنيع محبته لبلدته سوق الأربعاء الغرب وأهاليها البسطاء.. ناهيك عن اهتمامه المتواصل بقضايا وطننا الحبيب الغالي ونحن معه كذلك في إثبات وإظهار تضامننا وتازرنا وإبداء روح التكافل الإجتماعي وتقاسم ثقل وعبء معاناة إخواننا وأخواتنا ببلاد المهجربسبب تفشي وباء كورونا المباغث الذي حيرالعالم بأسره وأقض المضاجع وفتن العقول وشغل النفوس والألباب.. نسأل الله تعالى رفعه عنا وإعادة أمورومشاهد وصورالحياة إلى ما كانت عليه قبل هذا الزمن الحالك القاتم حيث القلوب منكسرة والعقول حائرة والنفوس ضيقة الحال..؟؟

إليكم أخياه عبدو وإلى طاقم جريدتك المحبوب الصامد الغيور النحرير المجد .. محبتي بحجم الكون..
[/box]

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]

*كيف تتعامل مع هذه الأزمة؟

 فأمثالكم يوقظون في ذواتنا لغة المشاعرالطيبة كما يمدوننا بكلام محفزوجميل يعيد ويحيي فينا عنصرالتفاؤل والطموح والإبداع الروحي، وهكذا أنتم ترممون ما تبقى من أمل يقظ وهاج في دواخلنا، فنخضرونورق ونزهرونثمر… أما عن حياتي الآنية في ظل هذه الأزمة.. فشأني شأن جميع المغاربة وأي مواطن يغارويخاف على وطنه من السوء والشروالفتنة.. لابد أن يلتزم حدود المسؤولية المنوطة به.. فمنذ بزوغ فجر كل يوم جديد أسعى لأخذ جميع الإحتياطات اللازمة المتعلقة بحياة أسرتي المعيشية من توفيرالقوت اليومي أولا ومحاولة استثمارالحيز الزمكاني في البيت استثمارا فعالا ومنتجا ومجديا تفاديا وحرصا على عدم الوقوع في بحرالملل والسأم والصمت الرهيب.. مع القيام بواجباتي المهنية من تهيىء دروس وبحث علمي/ أدبي وفكري محاولا دوما بصفتي رب الأسرة أن أتسم بالصبروالجلد وارتداء زي الإحساس بالقوة بالمقارنة مع زوجتي وأولادي باعتباري المسؤول الأول على امتطاء جواد التحدي وركوب سفينة الإلتزام بكل حدث واقع من شأنه خلق نوع من التشويش في محيط البيت حتى تنقشع سحابة هذا الوباء اللعين وتصفو سماء هذه الجائحة المتلبدة بغيوم اليأس والقنوط والإحباط ..
[/box]

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]

*أشنو هي الأشياء التي استفدتها من الحجر الوقائي الصحي؟

كل هذا مما تمت الإشارة إليه وأنا أعيش دنيا الحجر الصحي الوقائي لا يمنعني أو يحول دون اعترافي بأنني استفدت كثيرا كما افتقدت للعديد من الأشياء لم أكن قبل تفشي الوباء أيعرها اهتماما يليق بها سلوكا وعملا.. يمكنني القول بأنني صرت أكثر وأشد التزاما بالوقت وتوفيره والحرص على عدم ضياعه في مالايفيد ولا يجدي بعد إقامة الصلح مع ذاتي أولا وذلك بالتقرب إلى الله بالصلاة والدعاء والصيام وتقديس العبادة والتأمل في ملكوت السموات والأرض وعدم الوثوق بسراب هذا الوجود المفاجىء المباغث والمليىء بأسرار يصعب على العقل البشري معرفتها وإدراكها وسبر أغوارها.. الآن زدت إيمانا واعتقادا جازما بأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى ولله الأمر من قبل ومن بعد.. فكورونا لقنتني دروسا لم أتعلمها في المدرسة ولا حتى في الجامعات.. علمتني كيف أعيد النظرفي تجليات حياتي برمتها.. يبدو أن عقلي الغبي البليد لم يكن حاضرا بمنطقه كما كان يعتقد أو يضعه في حسابات قناعاته وأولوياته.. بدا لي وأنا حبيس بيتي بأن العالم بأسره بجميع مكوناته وأطيافه ورجالاته ونسائه والأقوياء والضعفاء من مختلف جنسياته متساوون.. إذ لافرق ولاتمييز ولا سلطة ولا حسب أو نسب ولا غني وفقير، وقوي وضعيف، وشيخ هرم وشاب يافع.. إنها حقيقة بدت ناصعة كالبياض.. ألا إنها تالله آية معجزة تستحق أكثر من وقفة وتأمل وتمحيص…

نعم كورونا جائحة يمكن اعتبارها نقمة في طيها نعمة كشفت لي المستورممن كنت وغيري المتشدقين المدعين بكثير من الافتخار والمباهاة بامتلاك ناصيته وقد نسينا أن القرآن حسم في قضية ضعف الفكرالإنساني ((ما أوتيتم من العلم إلا قليلا)) .. اقتنعت بأن الله وحده هو الملاذ.. وأن ((ما بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون )).. وعلى الرغم مما أحدثته كورونا في الوقت الراهن من ضيق وألم وحرج، فهي درس ثري مفيد بامتياز.. ومما لا يمكنني نكرانه هو إدراكي وفرحتي وسعادتي بأن الشعب المغربي شعب عظيم ودود رحيم عطوف حاضر بتكافله وتعاضده وتراحمه وتعاونه.. غيرأنني والحق أقول افتقدت دفء ولقاءات أحبتي وعائلتي وأصدقائي وارتيادي المعهود لمساجد وبيوت الله التي أوصدت أبوابها في وجوه ضيوفها والوافدين إليها صباح مساء باعتبارها فرصة ومكانا تعبديا تمارس في رحابه كل أنواع العبادات من قراءة كتاب الله والصلاة والخشوع والتضرع إليه.. ولعل أهم شيء فرض علي نفسه وأنا قعيد بيتي هو: كسبي مهارة التحلي بالرزانة والتعقل والثبات مع ضبط النفس أكثر من أي وقت مضى، لامن حيث الجانب السلوكي مع أفراد أسرتي ولا من حيث الإحتراس على نقل الوباء لاقدر الله إلى أحدهم حين القيام بجلب القوت اليومي..

علمتني كورونا فن التعامل والإقتصاد والتقرب إلى زوجتي وفلذات كبدي.. كما شجعتني على القراءة والكتابة وتهييء الدروس والمساهمة في تنشيط وإدارة حركة التوعية والإحساس بالآخرين.. وقد منحتنا فرصا عديدة لكسب دروس وعبروحكم تتعلق بالحياة العملية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية…
[/box]

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]

*أشنو هي النصيحة التي يمكنك تقديمها للناس في هذا الوقت المتأزم؟

وبناءا على ما سردته وما سطرته من تدوينات أود التوجه ببعض النصائح التي أراها مناسبة للناس في وقتنا هذا.. ألا وهو ضرورة الخضوع الكلي والخنوع التام والامتثال لقرارالحجرالصحي، والأخذ بالتدابير الإحترازية التي سنتها وحرصت على تطبيقها السلطات العمومية والوعي بروح المسؤولية الوطنية الجماعية ملكا وشعبا وحكومة وكذا جميع القوى المدنية منها والعسكرية والتعليمية.. لقد حان الوقت لتوثيق عرى المحبة وترسيخ قيم التسامح والتضامن والوفاء والتكافل والتعاضد والتعاون والإكثارمن المبادرات الجمعوية واستحضارالروح الوطنية.. إننا جميعا نقتسم ونحمل على عاتقنا عبء هذه الأزمة الخانقة التي نخشى ضررها على سلامة بلادنا ومواطنينا الفقراء والمساكين وذوي العاهات ( ذوي الإحتياجات الخاصة) والمعوزين الجائعي البطون، الحفاة العراة.. هذا ما يمكن أن يسمى أوننعته (يصح نعته) بالوطنية الحقة ليس إلا..

  أما أنتم أيها التلاميذ الطلبة فها أنتم أدركتم بأن مثل هذه الأوبئة الصادمة والمصائب والكوارث الطبيعية تحتاج إلى عقول نيرة وثقافة عالية وممارسة فعلية محكمة وعلم غزيرنافع يخدم مجتمعنا ويساهم في بلورة وتحريك عجلة التقدم والتطوروالرقي وبنائه بناء سليما علميا وتكنولوجيا، فالأمر بعد الله موكل ومنوط باجتهادكم ومواظبتكم ومثابرتكم والزيادة في بحثكم العلمي والفكري على مستوى النهضة والتنوير.. فعليكم بالاهتمام بدروسكم والتفاني في عملكم الدراسي، فمنكم من يعلق عليه وطنه الأمل منتظرا منه أن يتبوأ الدرجة الرفيعة والمكانة السامية والمرتبة السامقة على غرار عظماء التاريخ وقادة الفكر والرأي كأن يكون أستاذا وطبيبا ومهندسا ورجل أمن وفلاحا لامعا وتاجرا خدوما وفاعلا جمعويا فعالا ومنتجا وصالحا…

أنت – أيها الإبن البار- اليوم هو ركيزة البلاد والعمود الفقري الذي يحارب التخلف والتدهورليسمو بوطنه ويسير به إلى الأمام.. أنت هوطبيب وممرض الغد المأمول وكذا صانع حقيقة التنمية البشرية المستدامة في المستقبل القريب وفقك الله.
[/box]

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]

*كلمة مفتوحة تريد أن تقولها بهذه المناسبة؟

ودون ترك المناسبة تمرلابد وأنا بصدد رسم هذه المضامين الحرى والكلمات الدامعة الحزينة من الحكم بصدق على أن العالم اليوم وفي هذه الظروف بالذات يعيش تهديدا ساخنا خلق أصنافا من الرعب والفزع والخوف والتأمل وإغراق الفكر في ما يجري وما يرى بالعين المجردة في ما سببه فيروس كورونا الحارق الذي أودى بحياة المئات والآلاف من بني جلدتنا رحمهم الله.. هكذا بات هذا الفيروس الغادرمنتشرا يقضي على الأخضرواليابس كالنار في الهشيم.. لاوطن له ولا قبلة معينة.. سريع التجوال والتنقل وانتشارالعدوى ..لاعاطفة إنسانية يعرفها بين الحدود أو بين الأمم والشعوب.. كلنا أمام مصير واحد يجمعنا، ويربط بيننا قاسم مشترك هو الوقاية وتطبيق قانون الحجرالصحي شئنا أم أبينا في عقر دورنا  ومنازلنا وقرانا ومداشرنا، دأبنا وديدننا التنقل من غرفة إلى أخرى دون تفكيرأوهدف معين ((وما هم بسكارى)).. فلنعد النظر من الآن في سلوكاتنا وتصرفاتنا بغية صياغة نموذجنا التنموي المنشود والمراد تحقيقه.. إنها فرصتنا النادرة والتي لا يمكن الاستهتار بها إذا أردنا وابتغينا ورغبنا في بناء الإنسان المغربي النموذجي المثالي المتبول والمتيم بالبحث والخلق والإبداع والإبتكارواحترام كرامة العامل (الإنسان) كيفما كان توجهه وطبيعة عمله وخدمته وسحنته وهيئته وحسبه ونسبه وقس على ذلك..
[/box]

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]

*هل سيتجاوز المغرب هذه الأزمة؟

في نهاية هذا الحوارأخي عبد الهادي.. ليكن في علمك أنني مشتاق وجد متلهف إلى حياة جديدة ونفس جديد وروح جديدة بعد انجلاء أزمة (( كورونا ))، ولي اليقين بأن ما عجز عنه الأطباء فالله له أهل وهو على كل شيء قدير.. إن بعد المطرالجو الجميل ثم (( إن مع العسر يسرا إن مع اليسر عسرا)) .

أكيد يا زين الشباب ستنجلي هذه الجائحة إن شاء الله بأقل الخسائر، وما علينا إلا احترام تعليمات الأطباء والمختصين والالتزام بتطبيق أوامر مسؤولينا بالبقاء والمكوث في بيوتنا حفاظا على أرواحنا وأرواح غيرنا.. وشكرا لأولئك الرجال البواسل والنساء المجدات الذين خاضوا ولازالوا معارك شرسة على عدة واجهات لنحيا نحن في أمن وأمان وسلم وسلام ونحن لا قوة لنا ولا حول.. بل قابعون في بيوتنا والوباء يتبرص بنا..

شكرا وثناء لعمال النظافة ورجال السلطة والأمن والدرك الملكي والوقاية المدنية والأطباء والممرضين (الكوادر) الشجعان والمتحمسين والتجار وسائقي الشاحنات والفلاحين والتقنيين والمهندسين والمهنيين.. على ما يبذلونه من مجهود كبير متواصل من أجل توفيرهم لنا كل متطلبات وحاجيات الحياة.. وشكرا لأطر التربية والتعليم من نساء ورجال الذين يخوضون معركة لا تقل شراسة عن غيرها من المعارك المذكورة، وهي تقديم دروسهم لفلذات أكبادنا على القنوات الفضائية وعبر وسائل التواصل الإجتماعي.
[/box]

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]

*شعورك النهائي بعد انجلاء هذه الأزمة (وباء كورونا)؟

 وعليه، يجب العمل على التشبث بأهذاب أمل الخروج والخلوص من هذه الأزمة.. الله موجود وهو مجيب الدعوات.. بعد أيام سيشد الوباء رحيله إلى حيث الهاوية وسيتوقف الرعب والحزن والهلع وستختفي صنوف الكآبة والكدروالضجر، وحتما ستغيب الأشباح التي نسجها ونسخها خيالنا الضعيف (الهش) وتخيلاتنا وأوهامنا الواهية.. سنعبر بفضل الله جسرالحيرة والألم الممض إلى حيث يوجد عالم الضحك والعناق والمصافحة والإبتسامة المرتسمة على الشفاه.. فتعالوا أحبتي نرفل معا في ثوب السعادة والبهجة والسرور والحبور و الإنشراح و الإنتشاء و الإنطلاق و الإنعتاق والحرية وراحة البال ونسيان الذات الكئيبة مع المحافظة على عنصر التضامن الذي أعادنا إلى الفطرة السليمة التي ولدنا عليها لأول مرة.

 ولعمري ليس في دنيانا هاته أجمل وأفضل وأروع وأبهى من معاملة تزرع السحر والجمال والمحبة في الله بعيدا عن لهيب اللوم والعتاب وزرع الفتنة والإنتقام والنظرة الحقودة، وعن لغة اللمز والهمز والبغض والحسد والكراهية وهلم شرا وقبحا وإثما ومعصية..

 والله نسأل اللطف في ما جرت به المقادير.. وما ذلك عليه بعزييييييز ..

 شكرا لك أخي عبد الهادي على ما أوليتني به من اهتمام بالغ وعناية فائقة وشرف محمود حظيت به مشاركتي ونالته مساهمتي البسيطة هاته في فضاء جريدتكم “الوطن 24” المفضلة.

والكلمة الأخيرة لكم .. دامت لكم المسرات والمباهج .
[/box]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *