الاجتهاد في الإرث نظرية الخروج الشرعي من الشرع عند امحمد جبرون

الوطن24/الدكتور عبد الله الجباري 

نشر مؤخرا الأستاذ امحمد جبرون مقالا بعنوان: [الاجتهاد في الإرث وقضايا الأسرة ممكن]، وقد تضمن هذا المقال أفكارا، كما تضمن أخطاء، وقبل مقاربة أفكاره، يلزمنا ابتداء أن نبين أخطاءه الألف بائية التي لا يتصور صدورها من مفكر يقتحم عقبة الاجتهاد.

أولا: الأخطاء الواردة في المقال:

أ ــ التمييز بين الابن والولد.

في اللغة العربية، نستعمل “الولد” للدلالة على الابن والبنت، ومن ذلك قوله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم”، وقوله جل وعز: “ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد”، والولد أو الأولاد في الآيتين يُقصد بهما الأبناء والبنات على السواء. وأثناء حديث امحمد جبرون عن التفاوت أو المساواة بين الابن والبنت، كان يستعمل المقارنة بين [البنت] و[الولد]، وكأنه يفكر بالدارجة، لأن المغاربة اعتادوا في عاميتهم إطلاق [الولد] على [الابن]، ومن أقواله في المقال:

1 ــ “الذين يريدون التفاوت بين البنت والولد في الإرث”.

2 ــ “وفي مقدمتها التفاوت في الميراث بين البنت والولد”.

3 ــ “إن منهج الفقهاء المعاصرين المدافعين عن التفاوت في الإرث بين البنت والولد”.

وهكذا نجده يميز بين البنت والولد، مع أن البنتَ ولدٌ كما أسلفنا، فهل يحق لمن لا يميز بين هذه الألف باءات الأولية أن يمارس الاجتهاد في القضايا المعقربة؟

ب ــ التحقيب.

جرت العادة في تحقيب الأفكار والأعلام أن نميز بين المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين، وهذه التحقيبات التي استقر عليها العمل لا نجرؤ على تبديلها إلا إن برهنّا على خلافها، وبناء على هذا التقسيم الزمني، فإن رشيد رضا وشيخه وتلاميذه معدودون من المعاصرين لا من المتقدمين، وقد هالني قول امحمد جبرون: “إن نقاش مسألة المساواة بين الرجل والمرأة في العالم العربي مسألة قديمة وليست حديثة، مرّ عليها أزيد من قرن من الزمان”.

وما أن قرأت بأن المسألة قديمة، حتى خلتها نوقشت في القرون الماضية، لكنه سرعان ما نسف قدمها ليذكر أنها لم تعمّر أكثر من قرن، وهذا يدل على حداثتها ومعاصرتها وليس على قدمها، فكيف يسمح لنفسه مَن لا يميز بين هذه المصطلحات ومداليلها أن يقتحم عقبة الاجتهاد وأن يناقش القضايا العويصة في الفقهيات؟.

ج ــ التعبد والعبادات.

من يخطئ في الأبجديات السابقة لا نستغرب صدور الأخطاء في المعارف الشرعية منه، لأنها معارف تخصصية أدق من سابقتها، وهذا ما وقع لامحمد جبرون في مقاله المذكور، حيث بيّن بالملموس أنه لا يميز بين “التعبد” و”العبادة”، فاستعملهما بناء على الترادف لا على التغاير، وهذا يمس جوهر أطروحة المقال.

تحدث المقال عن المواريث وأنصبتها القرآنية على أساس أنها من العادات، ولمناقشتها أورد نص الإمام الشاطبي في موافقاته: “والغالب في العادات الالتفات إلى المعاني، فإذا وجد فيها التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع النصوص”.

وهذا كلام خبير يعي ما يقول، لأن المعاملات في الشرع نوعان، نوع معلل، وهو الغالب، وهذا ما نبه إلى ضرورة الالتفات إلى المعاني فيه. والنوع الثاني غير معلل، وهو الذي يطلق عليه العلماء لفظ “التعبد”، فيقال عنه: تعبدي.

والتعبد ليس مرادفا للعبادة والعبادات، لأن المعاملات منها المعلل ومنها التعبدي، كما أن العبادات منها المعلل ومنها التعبدي.

مثال: جلد الزاني، هذا من الأحكام الشرعية، فيها جانب معلل، وهو الحفاظ على العرض بردع الجناة عن معاودة الفعل أو عن ارتكابه ابتداء، وفيها جانب تعبدي، وهو غير المعلل، ومنه 100 جلدة، فلماذا ليس 80 كحد القذف المندرج معه في حفظ العرض، ولماذا ليس 99 جلدة؟

ومن المعاملات التي أوردها الشاطبي وذكرها جبرون في مقاله: الذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول. وهذا الحكم يتضمن التعليل والتعبد، فالذبح معلل من جهة، وتعبدي من جهة أخرى. فهو معلل بكونه يسهم في تطهير اللحم المأكول من الدم وتنقيته منه، وهو تعبدي من جهة موضع الذبح، فلا يجوز أن نأكل الخروف إن قطعنا أطرافه ومات جراء نزيف الدم، بل لا بد من ذبحه من المحل المخصوص، وذلك بقطع الحلقوم والأوداج.

والعبادات أيضا فيها جانب معلل وجانب تعبدي، فالصلاة معللة بكونها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام معلل بتحقيق التقوى [لعلكم تتقون]، والزكاة معللة بتطهير النفوس وتزكيتها [تطهرهم وتزكيهم بها]، ومع ذلك، فهذه العبادات تعبدية أيضا، فلماذا عندنا أربع ركعات في الظهر وليس ثلاثة، ولماذا عندنا شهر رمضان دون سواه من الشهور، ولماذا عندنا شهر بالضبط وليس 33 يوما أو 26 يوما، ولماذا عندنا العُشر ونصف العشر وربع العشر في الزكاة؟ وما الفرق بين 2,5 في المائة وليس 2,3 في المائة؟ هذا الجانب المقدر هو الجانب التعبدي في العبادات، وليست العبادات كلها تعبدية.

وبما أن الأستاذ جبرون لا يميز بين العبادة والتعبد، فإنه بنى مقاله على الخلط بينهما، فصدرت منه العبارات الآتية:

1 ــ أثناء حديثه عن القائلين بإلزامية التفاوت بين الذكور والإناث في الإرث، ذكر أن وجهة نظرهم مبنية على أن الإرث [ملحق بالعبادات وإن تعلق بالمعاملات]، وهكذا ألحقه بالعبادات مع أنه لم يقل بهذا أحد، ولكنهم يقولون بأن هذا التفاوت تعبدي، أي غير معلل، وليس من العبادات.

2 ــ قال أيضا: “إن مسألة الإرث وإن تعلقت بالمعاملات فهي ثابت من ثوابت الدين القطعية الملحقة بالتعبد”، وهنا وإن استعمل لفظ “التعبد” صويبا، لكنه استعمله بمعنى العبادات، بدليل التصريح بأنه [ملحق]، والصواب أنه ليس ملحقا بالتعبد، بل هو تعبدي في ذاته.

3 ــ وقال أيضا: “هل إلحاق هذا النوع من المعاملات التي تتناولها نصوص قطعية الثبوت والدلالة بمجال العبادات إلحاق مشروع؟”.

من هنا يتبين لنا أن الكاتب لا يميز بين العبادة والتعبد، وهذا لعمري من ألفباء العلوم الشرعية التي يتلقاها طلبة السنة الأولى أو الثانية في التخصصات الشرعية، فهل يملك صاحب هذه الأغلاط مكنة تؤهله لاقتحام عقبة الاجتهاد؟ أم أن الاجتهاد بلا زاد صار موضة العصر؟

التلبيس والتشويش:

بعد أن عرجنا على الأخطاء في الأبجديات التي وقع فيها صاحب المقال، ننتقل إلى تقنية التلبيس والتشويش التي يمارسها هو وأمثاله، فإنهم حين يريدون تسويق بعض المفاهيم أو الأغلوطات، لا يترددون في استعمال بعض التوصيفات ذات البعد الجمالي الإغرائي.

ورد في مقال الكاتب جبرون أربعة أعلام، هم محمد رشيد رضا ويوسف القرضاوي والطاهر الحداد ونظيرة زين الدين، وبما أن الأخيرَيْن يتبنيان الدعوة إلى المساواة في الإرث دون أن يؤسسا طرحيهما على أسس علمية متينة، كان لا بد من تسويق أطروحتيهما بالتوصيفات ذات البعد الجمالي الإغرائي [الماركوتينع]، فكان لا بد من وصفهما بالإصلاحيين، خلافا للقرضاوي ورضا، مع العلم أن المجهودات الإصلاحية لهذين الأخيرين أكثر علميةً وأكثر تأثيرا في المجتمع العربي الإسلامي، وبما أن أطروحتيهما في الإرث لا تتماشى مع أطروحة المقال، فإنه وجب سلبهما صفة الإصلاحية ووضعهما قسيمين للإصلاحيين الطاهر الحداد ونظيرة زين الدين. وهذه تقنية من تقنيات الماركوتينغ للتأثير على المتلقي لا تمت بصلة إلى المقاربة العلميةالتي تستند على الدليل والبرهان للإقناع.

الخروج الشرعي عن الشرع:

تعودنا على مطالعة “اجتهادات” كثير ممن لا يميز بين الأبجديات كاجتهادات الأستاذ جبرون المتكررة والمتعددة، وكلهم يؤسسون كلامهم على النص والمصلحة، وهذا ما عمده كاتب المقال حين طرح سؤالا إشكاليا: “هل هناك إمكانية للخروج ـ شرعا ــ عن حكم النص القطعي الثبوت والدلالة استنادا إلى دلائل المصلحة والعقل وتبدل الأحوال؟”.

هكذا يبين المقصود، وهو الخروج الشرعي عن حكم النص القطعي الثبوت والدلالة، وإذا كان النص القطعي الثبوت والدلالة هو عين الشرع، جاز لنا أن نعبّر عن أطروحة الكاتب بعبارة أخرى، وهي: [الخروج الشرعي عن الشرع].

لا يجد الكاتب أي أساس يستند عليه في خروجه عن النص القطعي سوى كلمات متقاطعة هي [المصلحة] و[العقل] و[تبدل الأحوال].

وإذا كنا في سياق [التأثير] الذي يمارسه أصحاب [الماركوتينغ] العلمي، فإننا بإزاء رزنامة من الأدلة التي تسوغ لنا الخروج عن النص وعن الشرع أيضا.

وإذا كنا في سياق [الإقناع] الذي يمارسه أصحاب [البرهان]، فإن ما طرحه الكاتب لا يرقى إلى عُشر معشار ذلك.

فإذا اعتمدنا على [المصلحة]، فمن الذي له الحق في تقدير المصلحة؟ وما العمل إذا تعارضت التقديرات في المصلحة؟ وما هي المصلحة المتغياة من التسوية بين أنصبة الأبناء في الإرث؟ وما العمل إذا عارضت تلك المصلحة مصلحة أخرى؟ …

أما [العقل]، فأنا على يقين أن كاتب المقال لا يعرف معناه وإن استعمله في سياق الاستدلال للخروج عن النص القطعي، إذ [العقل] في الاصطلاح العلمي الأصولي الفلسفي يُقصد به ما يدركه العقل بداهةً، والعقل أو القضية العقلية هي القضية المجمع عليها بين العقلاء، ويضربون لها أمثلة من قبيل الواحد نصف الاثنين والسماء فوقنا، فهل التسوية بين الذكور والإناث في الإرث مسألة مجمع عليها بين العقلاء؟ وهل الذين يقولون بالتفاوت خارجون عن حكم العقلاء؟

أما [تبدل الأحوال] فثالثة الأثافي، فهل يعقل تغيير النص القطعي الثبوت والدلالة بناء على تغير الأحوال؟ ولمن الحكم؟ للنص أو للأحوال؟

لقد كان الناس على دين التوحيد، ثم تغيرت الأحوال وطرأ الشرك وصار مستساغا مقبولا شائعا بين الناس، فهل نبيح الشرك بناء على دليل [تبدل الأحوال]؟ وألم يتعلل فَتَيَا السجن أمام سيدنا يوسف بهذا التعليل فأجابهما النبي الجواب الصريح: “إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان”، إيمانا منه بأن[تبدل الأحوال] لا يعطيها الشرعية ولا المشروعية ولا يغير من حقيقتها شيئا.

والآن، كثير من النسوة لا يستسيغون الصداق بناء على [تبدل الأحوال]، وكثير من المغاربة لا يستسيغون العِدّةَ بناء على [تبدل الأحوال]، وكثير من الناس يبيحون لحم الخنزير بناء على [تبدل الأحوال]، لأن الخنازير صارت تربى بطرق علمية وبإشراف بيطري وغير ذلك من التعلات.

والآن في كثير من الدول، يفضلون المساكنة على الزواج، وقد بدأت تتسلل هذه الظاهرة إلى المغرب، فهل سنرفض الزواج بعد عقدين من الزمان بناء على دليل [تبدل الأحوال]؟ وهل سيأتي زمان ليقول لنا مجتهدو العصر بأن الزواج والمساكنة سواء، كما قال أسلافهم “إنما البيع مثل الربا”، فقال لهم الله تعالى: “وأحل الله البيع وحرم الربا”، ولم يبح لهم الربا بناء على نظرية [تبدل الأحوال].

العدل والمساواة:

اعتمد الكاتب جبرون في فقرات متعددة من مقاله ثنائية العدل والمساواة، فذكر أن “الإصلاحيين” المطالبين بالمساواة في الإرث يعملون على “استعادة معقولية هذا الحكم، وذلك ببيان وجه العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة من خلال هذا الحكم وغيره من الأحكام المتصلة به”، ويقول أيضا: “الإسلام في جوهره انتصر للعدل والمساواة بين سائر خلقه (كذا) بغض النظر عن الجنس أو العرق”.

هكذا يربط في هذين الاقتباسين وغيرهما بين العدال والمساواة ظنا منه أنهما مترادفان، والواقع أن العدل غير المساواة، وكم تحفظ المفكرون والعقلاء على المساواة منشدين العدل، ويمكن أن نحيل على الألماني ماكس شيلر والمغربي علال الفاسي وغيرهما الذين ينصون على أن المساواة ليست عادلة دائما، بل أحيانا تكون المساواة ظالمة جائرة.

ويمكن الرجوع إلى فريديريك نيتشه الذي لا يؤمن بالمساواة ويعتبرها أمارة من أمارات الحاسد، ويمكن الرجوع إلى كثير من النخبة الفكرية والسياسية التي لا تهتم بالمساواة ولا تلتفت إليها ولا تعتبرها قيمة إنسانية أو قيمة كونية، ولكن “مفكري” عصرنا ومصرنا يتمسكون بها ويدعون إلى الاجتهاد من أجلها ويجتهدون في تغيير الشرع من أجلها.

إذا كان الكاتب جبرون مؤمنا بالمساواة حقا، فما عليه إلا أن ييمم وجهه إلى الدستور للمطالبة بتحقيق المساواة في بنوده، وذلك من خلال المطالبة بالمساواة بين الرجال والنساء في الكوطا البرلمانية، وأن يطالب بالمساواة بين الذكر والأنثى في منصب ولاية العهد، وبعد اقتحام عقبة الاجتهاد في تغيير نصوص الدستور البشري، ننتقل معه إلى الاجتهاد من أجل تغيير النص القرآني الإلهي، أما أن يتجرأ على النص الإلهي دون الجرأة على النص البشري في القضية الواحدة، فهذا يدل على أنه لا يؤمن بهذه القضية ابتداء، وإنما يتخذها وغيره لتنزيل أجندات خاصة دون وعي بالانخراط في مشروعها.

وإذا كان يؤمن بالمساواة المطلقة باعتبارها أسمى من لفظ النص القرآني، فيلزمه أن يطالب بفرض الصداق على النساء لتحقيق المساواة إيجابا، أو المطالبة بإلغاء الصداق للرجال لتحقيق المساواة نفيا، كما أنه مطالب بتضمين المدونة لإجبارية العدة للرجال لتحقيق المساواة مع النساء، أو لإلغائها عن النساء لتحقيق مساواتهن بالرجال.

أليست هذه كلها لوازم المساواة؟

وإذا كان الكاتب جبرون يطالب بالعدالة، فما معنى العدل؟

إن أبسط تعريف للعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه.

والحق لا يُعرف إلا بناء على مرجعية ما، كالقانون أو الشرع أو العرف.

فإذا قرر القانون إعطاء النساء كوطا خاصة في البرلمان، صارت تلك الكوطا حقا لهن، وإعطاؤهن ذلك يعدّ عدلا ولا يعدّ مساواة.

وكذلك إعطاء الأبناء ضعف البنات في الإرث يعتبر حقا لهم، وإعطاؤهم له يعدّ عدلا ولا يعد مساواة.

والمثالان معا يندرجان ضمن ما تسميه الأدبيات الحديثة بـ[التمييز الإيجابي]، ومن غير المعقول أن نعتبر الكوطا النسائية [تمييزا إيجابيا] ونعتبر نصيب الذكور في الإرث [تمييزا سلبيا]، وهذا من التفريق بين المتماثلاث الذي يترفع عنه العقلاء والعاقلات.

التدرج في التشريع:

تبنى مقال الكاتب جبرون دعوى مفادها أن الشرع يتبنى سنة التدرج في الأحكام، وضرب لذلك مثال الخمر، ونظير ذلك أن الأمم الغابرة لم تكن تورث النساء، فجاء الإسلام بمحاربة الحيف الواقع عليهن، وبدل أن يعاكس العادات المترسخة في منع النساء، فرض لهن نصف نصيب الذكر، على أساس أنه بعد ترسيخ قيم العدل في المجتمع سيقتنع المسلمون لاحقاً بتحقيق المساواة.

وهذه الدعوى تتضمن لوازم خطيرة، ومنها أن الشريعة ناقصة، وقد أناط الله تعالى بالناس تكميلها بعد ترسيخ قيم [العدل] بينهم.

والمثال الذي يورده دليل على خطأ الدعوى، لأن الله تعالى تعمد التدرج في الحكم، لكنه لم يكمل الشرع إلا بالحكم النهائي وهو تحريم الخمر، ولا يمكن أن يبقى الشرع ناقصا بدعوى مراعاة ظروف ونفسيات وعقليات الناس، والآية صريحة في موضوعها: “اليوم أكملت لكم دينكم”، والمفاضلة بين الذكور والإناث مندرجة ضمن هذا الكمال، ولا نحتاج إلى ذلك التكميل بعد قرون من نزول القرآن.

هذه ملاحظات عابرة، وتقيدات سريعة، على مقال نعتبره نموذجا ومثالا لـ”مفكري” العصر الذين يقتحمون عقبة الاجتهاد بدون زاد، دون أن يتفطنوا إلى أن عقبة الاجتهاد كؤود، وأن من يخطئ في الأبجديات لا يجتمع مع الاجتهاد إلا بعد اقتران الضب بالنون. وقد أعرضنا عن كثير من “مفكري” عصرنا و”مجدديه” الذين يجتهدون في الخروج غير الشرعي من الشرع، لأنهم عن الشرع متنكبون ابتداء، وهم أقل خطرا على العامة، خلافا لمن يجتهد لتحقيق الخروج الشرعي من الشرع، ويبذل جهدالتجاوز الشرع بالشرع.

هذا، ونشير في الختام أننا لا نصادر حق الباحثين الأكفاء في الاجتهاد، ولا ندعو إلى التقليد والانغلاق على مقولات المتقدمين والعكوف عليها، بل ندعو إلى ممارسة الاجتهاد ولا نتردد في نقد التقليد والمقلدين، لكن دعوتنا إلى ممارسة الاجتهاد لا يلزم منها دعوتنا إلى ممارسة التسيب الفقهي، والله أعلم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *