التــجـديــد المــزعــوم والشــروط المفقــودة

الـوطن 24/بقلم: محمد الهداج
سبق أن قلت في: “الخطاب العربي والحداثة” أن بلادنا العربية ابتليت بأنبياء كذبة معجزتهم الوحيدة أنهم وجدوا من يصدقهم؛ لا ينبغي أن يفهم عني أنني لا أرى الإفادة من معارف العصر، فتراثنا نفسه اعتمد في جزء كبير منه على معارف ثقافات الجوار، ومدارسنا التقليدية لا تزال تدرس متن السجاعي في المقولات الأرسطية، ونظم السلم المنورق في منطق أرسطو وغيرهما، الفرق بينهم وبين هؤلاء الأدعياء عظيم عظم عقول المتقدمين جنب ضآلة هؤلاء.
هؤلاء لا يريدون الإفادة ولا الإغناء ولكن يدْعُون إلى الرحيل إلى قيم الغرب جملة وتفصيلا، والمشكلة هي أنك إن ذهبتَ تتحقق من صدق فهمهم واستيعابهم لمعارف الغرب، تجد ثرثرة وضحالة لا علاقة تجمعها بما تدعيه مصدرها، وأظنني بينت ذلك في غير هذا المكان، وعلاماته تجدها حيث وليتَ وجهك، لكنهم يعتمدون في انتشارهم على المؤسسات ذات الأجندات التغريبية وعلى الوضع الثقافي في البلاد العربية، كما يتوسلون في الإقناع باستراتيجيات حجاجية هشة تَسْنُد فجاجتها باستدعاء حاضر غربي قوي، ولو كان المتكلمون بيننا لتبسموا عجبا من هذه الجهالات التي أمست تُعدُّ فكرا.
استمعت لبعض المداخلات في ندوة نظمها مركز معروف يسيره مفكر معروف الأجندة، لندوة أطلق عليها سيمِنار حول علم الكلام الجديد فوجدتُ ما أقوله دائما: من يعتقد أن بناء وعي ومعرفة جديرة بزماننا يمر من العكوف على قراءة أركون والجابري والعروي فهو واهم ولن يبرح مكانه وستستوي أيام عقله حتى يلقى الله إن لم يعد القهقرى.
يقول “المجدد” عبد الجبار الرفاعي:” يقول علماء النفس …” ثم يردف “يقول الفلاسفة…” وكأن الفلاسفة عملاق في الخارج ينسب له قول أو أن علم النفس كلمة تحيل على منسجم قابل للتمييز.
هذا الخطاب لا يبرره غير الاستهانة بالمتلقي والتواطؤ من المناصر.
مع كل هذه الضحالة الفكرية يريد هؤلاء أن ينخلوا كتب المتقدميين أو يتجاوزوها إلى معرفة مبنية على علوم الإنسان الغربية، التي لا يعرفون عنها إلا العناوين كما هو واضح من كلامهم، يقول أحد المتدخلين: المشكلة في الحداثة هي أن معارفها كونية وواقعها قومي!!!، من يعتقد أن العلوم الانسانية الغربية كونية مؤكد أنه لا يعرفها ولم يقرأ عنها إلا من طريق مبشر حداثي عربي. وفي كتاباتهم ومقولهم علامات جهل بمضمون ما ينطقون، فتجد الكثيرين، ومنهم مجددنا، يتحدثون عن تاريخية العقل ثم يدَّعون موضوعيةَ وكونيةَ معارفَ بعينها.
من أراد أن يتوسل بعلم الاجتماع أو النفس فعليه أن يعرف مدارسه وأسس وافتراضات كل مدرسة، ثم عليه أن يفهم حقيقة ما يقوم به لأنه يتحرك داخل حقول معرفية لها شروط ظهور في خطابات أهلها وتاريخهم، وأن جدواها، إن كانت لها جدوى، ليس لأنها حقائق كونية ولكن لأنها مبنية على استقراء المجتمع الذي ظهرت فيه، فهي دائرة مع هذا الضرب من المجتمع وجودا وعدما. ولكن إعمالها في المتقدمين أو في الوحي لن يكون أقل حماقة من البناء على الرمل.
وأخيرا أقول إن في الغرب ما يستحق أن نتعلم منه ونُفيد، وهو في اعتقادي ما تعلق باللغة والمنطق وفلسفتهما، وإذا كان المتقدمون قد أثار فضولهم مؤسس المنطق الأول أرسطو، فلعل من يستحق أن يثير اهتمامنا ونسمع لما يقوله هو مؤسس المنطق الحديث غوتلوب فريجه، كما أن في الغرب فلسفات تستحق منا التفاتا، لكن الأمر يحتاج إلى وصل بالتراث أولا، وتلك طريق دربها طويل.
