التـنوع الثـقافي ودوره في بـناء الـدولة الـديـمقراطية الـحداثـية

الوطن 24/ عبد الواحد بلقصري

يحضى موضوع التنوع الثقافي بأهمية بالغة في عالمنا المعولم والمتنوع بالنضر إلى عدة اعتبارات يمكن اختزالها في مايلي :

الاعتبار الأول : طغيان ثقافات عالمية متنوعة استطاعت أن تؤثر على الثقافات المحلية، مما يؤثر على هذه الأخيرة وأصبحت أكثر اندماجية مما كانت عليه، وذلك بالنظر إلى سهولة العمليات التواصلية، التي أحدثها مجتمع المعلوميات، حيث أننا أصبحنا أمام وسائل تقنية متعددة الأنظمة الرقمية للاتصال التلفزيوني (الأنترنيت…).

الاعتبار الثاني: ظهور أطروحات جديدة استطاعت اختراق العالم ثقافيا، أقصد الأطروحة “أمركة” العالم، حيث نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحكم في 85% من مستعملي الأنترنيت على مستوى العالم، عبر تقنياتها المتطورة الاستخباراتية واللوجستيكية… وهاته الهيمنة الثقافية أثرت على وجود مجموعة من الأقليات وثقافتهم وهوياتهم.

فيما سبق يمكن القول إن هذين الاعتبارين ساهما في بروز إشكالية التنوع الثقافي إلى الواجهة، باعتبار أهميتها الكبرى في بناء الدولة الديمقراطية الحداثية، حيث أن التنوع الثقافي هو حصيلة مجموع حريات الناس والخيارات التي يتخذونها، وقمع الهويات الثقافية هو الذي يؤدي حتما إلى النزاع والاستعباد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على أساس الثقافة، وهما اللذان يوقدان شرارة العنف والتوترات.

وقد ساهم التنوع الثقافي في تنوع العديد من البلدان اقتصاديا وسياسيا عبر سياسات متعددة الثقافات، وعبر احترامها لثقافة الأقليات وخياراتهم، وقد أكد المفكر “صامويل هنتنغتون” في كتابه “قضايا ثقافية” وهو كتاب اللغة إلى جانب “لورنس هارسون” على أنه في أوائل سبعينيات القرن 20 وقعت على بيانات اقتصادية لكل من غانا وكوريا الجنوبية عملاقا صناعيا، تحتل المرتبة 14 على مستوى العالم، فيما لم تبلغ هذا الأمر غانا، هذا الاختلاف سببه بالدرجة الأولى الكوريون الذين يقدرون التنظيم وحسن التدبير، الانضباط في حين أن للثقافة أهمية.

مما سبق نؤكد على أنه صحيح أن الديمقراطية والتنمية وتماسك الدولة أمور جوهرية، لكن الدولة التي لا تهتم بخلق سياسات متعددة الثقافات تكرس ثقافة الاختلاف التي تعتبر جوهر الديمقراطية المعاصرة، حيث قد عملت الحضارة الغربية التي بفضل نضالات مثقفيها ومفكريها، على أن تجعل من حقوق الإنسان سلوكا يوميا يوفر للفرد والجماعة الدفاع عن مؤسسات وترتيبات اجتماعية معينة تعمل على إنجاحها.

وإذا أخذنا ميدان حقوق الإنسان نجد أن التنوع الثقافي من المواضيع التي حظي بها هذا الميدان، وأصبح ينظر إليه كحق من حقوق الإنسان، هذا على عكس ما نجد عليه الأمر في المغرب، الذي يتوفر على تراث ثقافي متنوع وهويات مختلفة (أندلسية، إفريقية، يهودية، أمازيغية، عربية، إسلامية…).

لكن بالرغم من ذلك نجد ثقافة الاقصاء التي تنتعش في مجتمعنا والتي ساهمت فيها معطيات سوسيوسياسية ارتبطت ارتباطا شديدا بالمقاربة الكولونيالية.

في مقابل ذلك نجد مفاهيم وأطروحات تتداول باستمرار في حقلنا السياسي والثقافي (المجتمع الديمقراطي الحداثي، دولة الحق والقانون، مجتمع التنمية…).

إن المجتمع الديمقراطي الحداثي لا يمكن تحقيقه بدون إعطاء الفرصة للجميع لدراسة وإنجاز اختياراتهم الكبرى والمتنوعة، وبواسطة ثقافة المشاركة هاته يمكن تحقيق الاندماج الوطني والوحدة الوطنية التي لا يمكن تحقيقها إلا بخلق سياسات متعددة الثقافات تشكل مدخلا أساسيا لبناء الدولة الديمقراطية الحداثية التي بواسطتها يمكن تحقيق النفع العام لجميع المكونات المجتمعية. على اختلاف مكوناتها وتلاوينها.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *