الحــرب الدينية الـثانية: الإيـرانية الإسـرائيلية

(حــماس دبـلجة الطـوفان الأقصى)

الوطن24/بقلم: ذ. حسن حلحول 

سيلاحظ القارئ انني قد استعملت في العنوان مصطلحا حديثا دخل في قاموس اللغة العربية يستعمل في المجال الفني، “دبلجة”، فالطوفان الأقصى تم دبلجته إن صح استعارة هذا المصطلح مجازيا وتم ٠توظيفه في الهجوم البري الذي قامت به حركة حماس في ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ الذي تعني لغة: تركيب صوت على الآخر، واصطلاحا: استبدال صوت ممثل الأصلي بصوت شخص آخر يؤدي صوته بلغة اخرى ومختلفة، فهل تم دبلجة الطوفان الأقصى؟ وهل كان دور حركة حماس في أداء الهجوم نيابة عن الممثل الأصلي بأسلوب آخر وطريقة مختلفة انتقامي؟ وهل ما وقع الممثل الأصلي والدور الرئيسي فيه هي ايران؟ مهما كان فالطوفان الأقصى يعتبر بالنسبة لتاريخ إسرائيل نكسة مماثلة لنكسة العرب في ١٩٦٧، وهو عمل بطولي لحركة المقاومة حماس دخلت به التاريخ، بل كسرت وحطمت أسطورة الآلة العسكرية الاسرائيلية، وسجلت إحياء القضية الفلسطينية لتطرح من جديد في نسخة جديدة فضحت كل ما هو مستور على المستوى العربي الإسلامي، أو على المستوى الدولي، وكشفت التحامل منظمات الدولية التي تتفرج عن إبادة القرن للغزيين، وتكامل وتوافق الغرب مع الاسرائليين.
** إيديولوجية الدينية أساس الحرب في غزة.
إن الحرب على غزة لا يمكن إخراجها من دائرة الصراع الدائر بين الأديان الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام ، وحتى لا يلبس بلباس آخر غير ذلك أي على انه صراع سياسي وهو من يملك شرعية الحكم في المنطقة، فالمقاربة التاريخية غير كافية لتفسير ما يقع في غزة، اذا لم يكن هناك الجانب الديني حاضرا بقوة،

يجمع جميع الباحثين في علم تاريخ اليهود والديانة اليهودية، أن هناك لبس وخلط عند كثير من الباحثين في استعمال أو تداول مصطلح اسرائيل على انه يعني نفسه اليهود، يميلون الى أن الأولى تعني اسم دولة المكونة من شعب وأرض وحكومة، دون وضع هذا المفهوم في إطاره التاريخي ماذا يعني وما هي حمولته التاريخية، والفرق بينه وبين اليهود (يهوه)
وحتى نميز بين إسرائيل ويهود يلزم علينا عرض نبذة عن تاريخ الديانة اليهودية والتوراة، ما هو الرابط الذي يجمعهما؟
وما هو القاسم المشترك بين اليهود والاسرائيل تاريخيا؟
**مصادر الديانة اليهودية
لماذا قلنا مصادر الديانة اليهودية ولم نقل مصادر الديانة الاسرائيلية؟، من المعلوم تاريخيا ان الديانة اليهودية تقوم على مصدرين اولهما وهو الأساسي تبني عليه عقائدها ،وهو التوراة ويسمى بالعبرية ” تروه ” أي يعني الهدى والإرشاد،
ويعرف أيضا اي التوراة بالعهد القديم أو العهد العتيق للتميز عن العهد الجديد الذي هو الإنجيل، العهد القديم مقدس عند اليهود والمسيحيين على السواء ويعتبر جزءا من الديانة المسيحية ويطلق على كلا العهدين العتيق والجديد بالكتاب المقدس. لهذا لا تستغرب ولا تتعجب اذ ترى الدول الغربية المسيحية تناصر الصهيونية عن مجازرها التي تقترفها والابادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، علما أن ما تعرض له اليهود تاريخيا من تنكيل وتقتيل وتهجير من قبل إخوانهم المسيحيين في العقائد المشتركة، سواء في إسبانيا أو في روسيا أو في إيطاليا أو في ألمانيا ..، عكس ما تعاملت به معها شعوب اخرى ،ففي الوقت الذي لم يلقوا من المسلمين سواء في المشرق أو في المغرب أو الأندلس او ابان الحكم العثماني، إلا الاحترام المتبادل وجدوا حريتهم ما لم يجدونه عند المسيحيين، لهذا قال الله تعالى” لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم”.
اعلم اننا نقول الديانة اليهودية ولا نقول الديانة الاسرائيلية، لأن الفرق بينهما هو أن بني إسرائيل يرجعون الى عهد ابراهيم الخليل، وهي جماعة من اليعقوبيين أو الاسرائليين التي لها دور مستقل ليس لها علاقة بدور النبي موسى وقومه أي اليهود، والذي يبين لنا ذلك من الناحية التاريخية هو أن جماعة من اليهود التي خرجت مع النبي موسى من مصر لا تنتمي الى إسرائيل أي الى يعقوب خرجوا من وطنها الأصلي “حاران، حران حاليا” (وإسرائيل تتكون من كلمتين” اسرا تعني -عبد – إيل تعني -الاله- بمعنى اسرائيل هي عبد الاله)، إن ما كان يهدف اليه الذين اشرفوا على عملية تدوين التوراة بعد عهد ابراهيم واسحاق ويعقوب باكثر من الف وثلاثمائة عام، ثم بعد موسى بسبعمائة عام، هو إسناد وارجاع نسب الجماعة المتبقية التي خرجت من مصر بأمر من النبي موسى إلى ابراهيم الخليل وهذا خطأ لان هجرة ابراهيم كانت من العراق ولم تكن لغته العبرية، مع التأكيد أن عملية تدوين التوراة ومدونيه هم ينتمون لجماعة اليهود، لتثبت هذه الاخيرة أنها تنتمي الى اقدس العروق البشرية ومن ثم ترسيخ عقيدة الأرض الموعودة في التوراة على لسان ابراهيم وموسى علما أنهما بريئان منها، وتم توظيف ايديولوجية الدين من طرف الحركة الصهيونية من أجل ربطها بجماعة ابراهيم الخليل وحفيده يعقوب لاضفاء الجانب العقائدي على مشروعها الاستعماري والاستطاني في فلسطين.
**المصدر الثاني التلمود: أصل الكلمة من العبرية “لاماد” أي (يعلم ) يعتبر جزءا من أحكام الديانة اليهودية، هو عبارة عن التعاليم أو الشروحات والتفاسير، ويشتمل على مجموعة من الشرائع اليهودية وتعليقات وضعها علماء اليهود الأحبار والحاخامات بعد المسيح وأسسوا عليها سننها وآدابها مع الزمن راحت محل تقديس عند اليهود كالتوراة .
يقسم التلمود الى قسمين المشنة أي المتن والجمارا أي التفسير والشرح، فالاولى هي عبارة عن مجموعة من تقاليد اليهودية المختلفة في جميع مناحي الحياة ،والثانية فهي مجموعة من التعاليم والتفاسير، ويزعم أن هذه التقاليد والتعاليم ألقاها النبي موسى عليه السلام شفاهة على اليهود أعطيت له عندما كان في الجبل ، ثم تداولها هارون ويشوع .
إن التلمود يحث على أنه يجب على كل يهودي ،إن يعمل كل ما في وسعه لمنع تسلط شعوب الأرض عليهم، لتصبح السلطة لليهود فحسب، وفي حالة عدم تمكنهم بالسلطة ولم تكن في يدهم يعتبرون كأنهم في حياة النفي والاسر، ويعيش في حالة حرب دائمة مع باقي الشعوب حتى تنتقل السلطة والثراء، حينئذ يسود الدين اليهودي على الجميع، وباعتبار أن جميع الأديان السماوية تنص في كتبها أن كل ما في الوجود الحياة والمال والثراء ملك الله، فإن التلمود ينص على أن اليهود أجزاء من الله، وبالتالي فإن اليهود يعتبرون انفسم ماسكين كل ما في الأرض من ثراء نيابة عن الاله، فقد جاء في وصايا موسى ” لا تسرق مال القريب” وفسر علماء التلمود ذلك، بأنه يجوز سرقة مال الغريب، لأنه في الأصل هو استرداد المال ممن سلبها.
وبهذا المنطق تدار الحرب في غزة، وبهذه المبادئ تدخل الآلة الحربية الاسرائيلية في صراعها مع العرب والمسلمين،
بالتالي ما يقع في غزة من إبادة جماعية، وتهجير الشعب الغزي من ديارهم والتلويح بعدم الرجوع اليها، هو يدخل ضمن قناعاتهم العقائدية وهذه المسائل واضحة عند كل الباحثين في مقارنة الاديان.
**أصول الحركة الصهيونية وصلتها بالديانة اليهودية.
إن العلاقة بين اليهودية والصهيونية من النقط الاساسية والجوهرية التي يجب فهمها واستيعابها، لكي نعرف كيف تم توظيف الايديولوجية الدينية في التأثير على اليهود قصد الانتقال والهجرة الى الأراضي الفلسطينية من أجل استوطنها.
الصهيونية حركة سياسية عنصرية، سميت بهذا الاسم نسبة إلى جبل صهيون الذي يقع جنوب بيت المقدس وبالمناسبة، وقد استولى نبي الله داود إبان حكمه واخذ داود حصن صهيون وأقام فيه وسماه مدينة داود، وبات جبل صهيون مكانا مقدسا لاعتقاد اليهود بأن الرب يسكن فيه، الصهيوني الحقيقي عندهم هو اليهودي الذي يفضل أن يعيش في فلسطين وما دونه ذلك فإنه يعيش في مجتمع مرفوض الاندماج فيه، الصهيونية الداعية الى الاستيطان فلسطين قائمة على التوسع والسيطرة على فلسطين وعلى الدول والشعوب اخرى بواسطة العنف وسفك الدماء.

* من الصراع السني الإسرائيلي إلى الشيعي الإسرائيلي.

في البدء منذ احتلال إسرائيل لفلسطين بمساعدة الدول الغربية الإمبريالية سنة 1948م -عقب اعلان عن قيام الدولة الاسرائيلية -، كان الصراع السني الإسرائيلي هو المحور والمحرك الأساسي في العلاقات الدولية بالشرق الأوسط، وكانت تتحكم فيه المصالح الدول الاقليمية، تداخلت فيه كل ماهو ديني عقائدي وطائفي وقومي واقتصادي وسياسي.
لما تهاوت وانهارت الإمبراطورية العثمانية، لم يبق للعالم العربي خاصة والعالم الإسلامي أي دور ليلعبه في تحديد العلاقات الدولية، وبقي يفعل به ما يريد ولا يريد تحقيقه، كان مرغما عليها بقبول السياسية التي يمليه الغرب عليها،
لقد شهدت الحرب الدينية الأولى السنية (العربية) الاسرائيلية،
خمس حروب كبرى الاولى كامت في سنة 1948 دامت 9 اشهر و3اسابيع ويومين لانها كانت مسألة وجود، وباقي الحروب لم تدم إلا ايام معدودة و 1956 و1967 1973 و 1982، في كل هذه الحروب التي خاضتها الجيوش العربية منيت بهزائم متتالية، كادت أن تؤدي إلى مواجهة بين الاتحاد السوفيتي والغرب.
غير أن في العقدين الأخيرين من القرن الواحد والعشرين، وقع تغيير في موازين القوى الإقليمية، وذلك بظهور ايران كقوة عسكرية لا يستهان بها،عندما نجحت في إثبات وجودها لا بالعقيدة الشيعية وإنما بالصناعة العسكرية المتمثلة في الصواريخ القريبة والمتوسطة والبعيد المدى واخيرا المسيرات.
وبدأت شيئا فشيئا تبرز بتدخلها في الشؤون الداخلية للدولة العربية بشكل علني وصريح، الملاحظ أن هذا التدخل بهذا الشكل لم يكن في بداية الثورة الإيرانية لضعفها علما أن نجاح هذه الاخيرة كانت بدعم من الغرب الذي اوى الخميني والمعارضين للشاه مقدما لهم الدعم الكامل ونجد ميشيل فوكو يشيد بالثور الايرانية بالرغم من راديكالية افكارها ،وكانت الدول العربية بقيادة السعودية شديدة الضغط عليها، فاختارت إبان الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات من القرن الماضي التحالف مع اسرائيل ضد الدول السنية الداعمة للعراق، فكانت العلاقة الإيرانية الإسرائيلية جد جيدة اقتصاديا وتجاريا تجمعهما استراتيجية وحدة العدو المشترك المتمثل في الدول الجوار.
رويدا بدأت تطفح على السطح في المنطقة كقوة اقليمية معادية لإسرائيل مستغلة الفراغ السني – خصوصا بعد إعدام صدام حسين – في دعم الفصائل المسلحة الفلسطينية لمقاومة الغطرسة الإسرائيلية. بالمناسبة ايران لم تكن يوما عدوة اسرائيل بقدر ما كانت عدوة لامريكا فكانت تبدي عداءها لاسرائيل كورقة للضغط على أمريكا لرفع الحصار المضروب عليها، لكي تستجيب لطالبها المتمثلة في الفسح لها المجال للعب دور المهيمن على الدول العربية للمرور الى نشر المذهب الشيعي .
وتوفرت لها الظروف بصعود الحزب الديمقراطي الى سدة الحكم بالعلاقات المتحدة خصوصا في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي نهج سياسة كسب الحركات الإسلامية والاعتراف بها، والتعامل معها للاعتبارات السياسية التالية:
أولا: بفتح الحوار مع الحركات الاسلامية المعتدلة، وفتح لها المجال في المشاركة السياسية ،وذلك بالدخول غمار المنافسة الانتخابات الرئاسية لبعض الدول العربية، واقتحام السلطة من خلال صعود التيار الإسلامي لأول مرة لرئاسة الدولة
ثانيا: تضيق الخناق على التيارات الإرهابية المتطرفة، وخلق صراع داخل المجتمع بين الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين لينشغلوا بالصراعات فيما بينهم وإغراق المجتمع في تناقضات داخلية تصرف النظر عن إسرائيل.
ثالثا: للضغط على ايران وذلك بتأجيج الصراع العقائدي بين السنة والشيعة، التي قد تؤدي إلى المواجهة العسكرية بين ايران وتركيا التي يترأسها الحزب الإسلامي السني والدول العربية.
رابعا: التخلي عن العداء المباشر لإيران وترك مجال للحوار والتفاوض على كل النقاط الخلافية العالقة وخاصة المفاعلات النووية الإيرانية، وكانت إدارة أوباما أبدت نوعا من الليونة في مواقفها للوصول إلى الاتفاقية معها، ومن ثم الوصول إلى حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.
استغلت ايران هذه الظروف المرنة التي نهجتها ادارة اوباما تجاه سياستها فربحت الوقت لتعيد بناء قوتها العسكرية والسياسية ،وخلق أتباع لها حزب الله ،تدخلها في العراق ، تدخلها في سوريا، تدخلها في اليمن عن طريق الحوثيين (أنصار الله)، حماس في غزة، في نفس الوقت خلقت مجالا لها تتحرك فيه لتعريف وتصريف سياستها الخارجية، وممارسة الضغط على المستوى الإقليمي، لتلعب دور القوة الضاغطة في المنطقة، وفعلا أصبحت تتفاوض معها أمريكا في كل القضايا الحساسة في المنطقة.
استطاعت بذلك أن تضع الفصائل المسلحة تحت جناحيها قربت إليها حركة حماس التي أغدقت عليها المال والسلاح لتدبلج صوتها لتعرف بقوتها، أصبحت حماس كأداة لتوظيفها متى شاءت، وجاء الطوفان الأقصى في 2023/10/7، لينتقل الصراع بشكل واضح من الصراع السني الإسرائيلي إلى الشيعي الإسرائيلي، لأن عملية الطوفان الأقصى لا يمكن أن تكون إلا بأخبار أطراف المتداخلة في المنطقة وهي إيران وبإذن منها، ولهذا لما وجدنا تدخل الدول العربية السنية في إيقاف الحرب على غزة كان باردا ومحتشم،رغم الابادة الجماعية الأولى في القرن 21 التي تقترفها إسرائيل يوميا.
فإن رد فعل لهذه الدول على الاختيارات قيادة حماس المترامية في أحضان إيران، هو تركها لفك الحصار وايقاف الحرب إلى من شجعها على القيام بالهجوم، بل وصل الأمر إلى أن السعودية منعت كل أشكال التضامن مع الغزيين حتى من الفلسطينيين داخل ترابها.
فإذا كان حركة حماس تخطت الدول السنية السعودية المغرب ومصر والأردن والإمارات في اتخاذ قرار الهجوم الطوفان الأقصى على إسرائيل، دون اطلاعها عليه أو أعلامها على الاقل به، فإن دورها الباهت في إيجاد حلول لإيقاف هذه الحرب، هو نتاج تصرفها هذا كأنها تقول لها تحملي تبعات عدم التشاور مع قيادات هذه الدول التي تلعب الدور الأساسي في المنطقة.
إن الصراع الدائر في الشرق الأوسط تتحكم فيه مصالح إقليمية ودولية، حتي باتت غزة مسرح لهذا الصراع ينفذ على أرض الواقع، وبقيت بين الميل الى الدول السنية والدولة الشيعية، في صراعها مع اسرائيل.
أعلم أن كيفما كان الحال فإن الطوفان الأقصى اربكت الأجهزة الامنية والاستخبارات والحكومة الإسرائيلية، وخلطت الأوراق من جديد، وأن صمود حركة حماس على ما يقرب 7 أشهر ولم تحقق الآلة العسكرية الإسرائيلية أهدافها، يمكن القول أن إرهاصات الانهزام بادية إن على المستوى المادي وإن على المستوى المعنوي للجيش الإسرائيلي الذي بدى منحطا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *