الفنان المغربي هاروان رِيد يُبهر جمهور بروكسل في عرض استثنائي بدار سوذبيز.

في مشهد ثقافي رفيع احتضنته العاصمة البلجيكية بروكسل، تألقت أعمال الفنان المغربي هاروان رِيد داخل فضاء دار سوذبيز الشهيرة، ضمن فعاليات المؤتمر الدولي “المغرب: فرصة استثمارية استراتيجية وأسلوب حياة فريد”. الحدث الذي نظّم بشراكة بين فاعلين اقتصاديين وثقافيين، شكّل منصة بارزة لتقاطع الفن المغربي المعاصر مع قضايا الهوية، التراث، والاستثمار في المغرب.

تميّز المعرض بأجوائه الراقية، حيث عُرضت لوحات رِيد التي تستلهم روحها من القصص الشعبية والتقاليد المغربية العريقة، لتقدم للجمهور تجربة بصرية تحاكي العاطفة وتطرح أسئلة وجودية عميقة. وقد وجدت هذه الأعمال صداها الطبيعي في نقاشات المؤتمر التي سلطت الضوء على المغرب كوجهة متكاملة للعيش والاستثمار، انطلاقًا من رصيده الحضاري الغني.

وسط هذا الفضاء الفني، برزت لوحة “المُتعاطف”، التي شكّلت المحور المركزي في مجموعة “ألغاز ومظاهر”. عمل فني قوي يجمع بين الألوان الزاهية والخطوط غير المثالية، ليحمل رسالة إنسانية تتعلق بالإدراك والحقيقة، ويدعو إلى تجاوز المظاهر نحو العمق الإنساني. تحوّلت العين المرسومة في قلب اللوحة إلى رمز بصري يحمل المتلقي إلى مستويات متعددة من التأمل والتفاعل.

التظاهرة لم تقتصر على البُعد الفني فقط، بل كانت أيضًا احتفاءً بالثقافة المغربية في أبعادها اليومية، حيث تمت دعوة الحضور لتذوق الشاي المغربي الأصيل والحلويات التقليدية، في لحظة شارك فيها الجميع طقوس الدفء والبساطة التي تميز الثقافة المغربية. وقد شرّف الأمسية حضور سعادة محمد عامر، سفير المملكة المغربية في بلجيكا، ما أضفى على الحدث بُعدًا دبلوماسيًا وثقافيًا راقيًا.

كما شهدت الأمسية تقديم الكتاب الشعري الأخير للفنان، الذي يحتفي فيه بطقس الشاي المغربي، ويغوص عبره في ذكريات الطفولة مع جدّته، مستعرضًا الطابع الرمزي لهذا المشروب الذي يتجاوز حدوده المادية ليصبح وسيلة تواصل وجسرًا بين الأجيال والثقافات. في أسلوبه التصويري الغني، ينقل رِيد القارئ بين أزقة المدن العتيقة وصالونات الشاي في العواصم العالمية، موحّدًا بين العوالم بلغة وجدانية وإنسانية.

هاروان رِيد ليس مجرد رسّام، بل هو فنان متعدد الأبعاد، يكتب، يرسم، ويصوغ رؤى فلسفية حول الذات والعالم. من خلال أعماله وكتاباته، يخلق تجربة متكاملة تجمع بين الفن التشكيلي والأدب والتأمل، ما يجعله من أبرز الأسماء المغربية في المشهد الفني المعاصر عالميًا.

بهذا العرض المميز، يُثبت هاروان رِيد أن الفن المغربي قادر على مخاطبة العالم بلغة عالمية دون أن يفقد جذوره، جامِعًا بين الإبداع الفردي والهوية الجماعية، في زمن تتقاطع فيه الثقافات وتتحاور فيه الحضارات.