المغرب : الإجراءات السياسية بين الأمس و اليوم ، أي تغير ؟

الوطن 24/ بقلم : مراد علوي*

كما هو معلوم أن المغرب بعد حصوله على الاستقلال تبنى نظاما ملكيا قائما على التعددية الحزبية، وهذا المنطق فرضته الظروف التاريخية التي عاشها المغرب، فلا يمكننا تصور مغرب قائم على الحزب الواحد، نظرا لكون الاستعمار تمت محاربته من طرف مؤسستين المؤسسة الملكية بقيادة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه و ولي عهده آنذاك جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني قدس الله روحه” و “الحركة الوطنية”، وبالتالي رأت المؤسسة الملكية أنه لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي إلا في ظل التعددية الحزبية.

فالحزب السياسي هو مجموعة من الأفكار التي تصب في نفس المنحنى هدفه الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، ويتكون الحزب السياسي حسب نظرنا مما يلي :

  • ناخبي الحزب .
  • المتعاطفون .
  • المنتمون .
  • المناضلون .
  • قيادة الحزب .

ويعود إنشاء الأحزاب السياسية المغربية إلى سنة 1937 ما سمي بالحركة الوطنية التي تحولت إلى حزب الاستقلال سنة 1943،و إن كان البعض يرجح تاريخ البدء الحزبي بالمغرب سنة 1926 ما عرف بإسم ”الرابطة المغربية” ومع ذلك يبقى البدء الحزبي الفعلي مع انشقاق كتلة العمل الوطني وظهور كل من الحزب الوطني بزعامة علال الفاسي والحركة القومية بزعامة محمد حسن الوزاني .

فالمغرب بمجرد حصوله على الاستقلال برهن عن نيته في إقامة التعددية الحزبية من خلال صدور ظهير الحريات العامة سنة 1958، و تم تعزيز ذلك بصدور أول دستور سنة 1962 الذي أكد أن نظام الحزب الواحد غير مشروع(2) .

وتميزت الفترة ما بعد الاستقلال بوجود خلافات بين أحزاب سياسية أو بين قيادات داخل نفس الحزب مما أدى إلى حدوث انشقاقات داخلية و ميلاد أحزاب جديدة، فالتاريخ يذكرنا أنه رغم الخلافات بين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي اللذين ينتميان إلى نفس رحم “الحركة الوطنية” إلا أنهما التقيا في عدة مناسبات بحيث ألفا “الكتلة الوطنية” سنة 1970 بعد انتهاء حالة الاستثناء التي أعلنها أبونا الروحي جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، ثم في بداية التسعينات ألفا “الكتلة الديمقراطية سنة 1992 لإطلاق دينامية الإصلاحات الدستورية و السياسية،و “التوافق” حول الانتقال إلى السلطة بتكوين حكومة “التناوب التوافقي” في 14 مارس 1998 – (3)، لكن كل هذا لا يعني أن الثقافة الحزبية أصبحت قائمة على ترشيد تدبير الخلافات

إن المتتبع للشأن العام الوطني في السنوات الأخيرة يلاحظ تدني مستوى الأداء الحزبي، فرغم أن الدستور الجديد (4) نص على صلاحيات مهمة للأحزاب السياسية حسب الفصل السابع منه، و أنه من حق المواطنات والمواطنين الانخراط في الأحزاب السياسية، و رغم أن القانون التنظيمي 29.11  (5) المتعلق بالأحزاب السياسية نص على مستجدات مهمة من أجل تحقيق الحكامة الحزبية والديمقراطية إذ لأول مرة تم الارتقاء بالقانون المنظم للأحزاب من قانون عادي(36.04) إلى قانون تنظيمي، إلا أن    هذا يظل مجرد قيمة ما لم يتم تعزيزه بالممارسة .

نلاحظ أن هناك عجز ديمقراطي داخل هياكل الحزب السياسي و طريقة اشتغاله، على سبيل المثال نجد نفس الأشخاص الذين كانو منذ عشر سنوات في اللجنة التنفيذية للحزب هم نفسهم مع العلم ان القانون التنظيمي الجديد 29.11 لم يتوقف عند التعريف بالحزب السياسي و تحديد القواعد المتعلقة بتأسيس الأحزاب السياسية و الانخراط فيها و ممارسة أنشطتها ومبادئ تنظيمها و تسييرها و نظام تمويلها و كيفيات مراقبته ومعايير تخويلها الدعم المالي للدولة، بل أكد أيضا على إلزامية التداول على المسؤوليات وعدم الإبقاء على نفس المسؤولين بصفة أبدية .

فأول التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية بالمغرب هي الديمقراطية الداخلية، إذ كيف يعقل أن يتبنى حزب سياسي في برنامجه الانتخابي أو الحكومي “الديمقراطية” و هو بعيد كل البعد عنها ولا يطبقها في هياكله، فالمؤتمر العام الذي يحدد توجهات و سياسة الحزب السياسي،كيف يتم إختيار المؤتمرين هل على منطق الانتخاب أم أن هناك منطق آخر، بمعنى أن العقلية تحن إلى الماضي، فالحزب السياسي أشبه بالزاوية والقبيلة فزعماءه يحظون بنفس التقدير الذي يحظى به شيخ الزاوية، إلا أنه مع كامل الأسف الأحزاب السياسية بالمغرب لا زال يغلب عليها طابع “القرابة”.

و رغم كل الجهود المبذولة من طرف الدولة المغربية لتقوية الأحزاب السياسية، إلا أننا نلاحظ قصور هذه الأحزاب عن القيام بدورها و عجزها عن تنفيذ التزامها الدستوري المتمثل بالأساس في تأطير المواطنين، وهذا في نظرنا بسبب كثرة الخلافات بين الأحزاب السياسية و داخل الأحزاب نفسها، و هذه الخلافات غير قائمة على رؤى و مستقبل للوطن وإنما صراعات على المصالح الشخصية،و بالتالي تم إفساد الحياة السياسية وأصبحت تتسم بغياب التنافسية بين الأحزاب وتشابه البرامج وغياب معايير واضحة للتزكية للترشح،و سيادة المعيار المالي في اختيار أطر الحزب وليس معيار الكفاءة والنضال والانضباط، فالأحزاب السياسية مسؤولة عن تدني الأخلاق السياسية و عن أزمة السياسة من خلال نفور قطاعات شعبية واسعة من الأحزاب أو المشاركة في الانتخابات،إذ كيف يعقل أن يتم الرهان على أحزاب سياسية في قيادة معركة الإصلاح الديمقراطي تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس أعزه الله، وهي بذاتها في أمس الحاجة إلى تقويم هيكلي وإصلاح .

فالأحزاب السياسية المغربية كما يرى “واتر بوري” ليست سوى مجموعة من الأندية التي تجتمع على صديق واحد، وبالتالي كثرة الخلافات تؤدي إلى انشقاقات و ميلاد أحزاب سياسية جديدة التي تفسر لنا “التعددية المفرطة” التي نشاهدها اليوم، إذ نستشف من هذا أن التعددية في المغرب غير قائمة على الخلافات الإيديولوجية بقدر ما هي قائمة على الخلافات بين الزعماء،   و لتوضيح ذلك مثلا قيادات في حزب سياسي معين وقع بينهم خلاف فسيذهب أحدهم إلى إنشاء حزب آخر والتحالف مع أحزاب كانت في الماضي القريب أحد خصومه فقط تعنثا لضرب الحزب الذي كان منتميا إليه، وهنا تطبق المقولة الشهيرة: ”في السياسة ليس هناك عدو دائم و لا صديق دائم”، إذ أننا نعيش تعددية في الطموحات السياسية وليس تعددية سياسية إيديولوجية.

إن المشاركة السياسية للمواطنين تعد مظهرا ثانيا للديمقراطية،إلا أننا لاحظنا في السنوات الأخيرة ضعفها وكثرة العزوف السياسي بسبب فقدان الثقة في الأحزاب السياسية.

إن القانون التنظيمي الجديد 29.11 عمل على معالجة الأمراض التي يعاني منها المشهد الحزبي ببلادنا من تعددية مفرطة وترحال سياسي، إذ تم المنع من الترحال السياسي تماشيا مع الفصل 61 من دستور 2011 الذي يؤكد على التجريد من العضوية في حالة التخلي عن الحزب السياسي الذي ترشح بإسمه، وتم إعطاء مكانة مهمة للمرأة المغربية في الحياة السياسية عبر تمكينها من الثلث في أفق بلوغ المناصفة المنصوص عليها في الفصل 19 من الدستور الجديد، بل أكثر من ذلك تكريسا للجهوية المتقدمة تم التنصيص على إحداث هياكل محلية للحزب على المستوى الجهوي،إلا أننا نلاحظ لازال الاشتغال بالمنطق القديم، فإختيار أطر الحزب السياسي قائم على المحسوبية والزبونية والقرابة لو اعتماد المال بدل اعتماد منطق الكفاءة والاستحقاق، كل هذا دفع بالشباب المغربي وجميع فئات المجتمع إلى الثقة فقط في مؤسسة وحيدة وهي “المؤسسة الملكية” تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله رائد العهد الجديد.

إن الجهوية المتقدمة التي تعتبر ورشا ملكيا من أجل مغرب متقدم و متوازن لا يمكن أن تنجح في ظل أحزاب سياسية ضعيفة، واكراهات قانونية مرتبطة بالأساس بنمط الاقتراع الذي يسمح للأميين بإنتداب مناصب المسؤولية، فعدم اشتراط المستوى التعلمي من أجل الترشح للانتخابات حسب القانون التنظيمي 11.59، لا يعد مبدأ ديمقراطي كما يدعي البعض أو تماشيا مع الفصل 30 من الدستور الجديد،بل ينبغي إعادة النظر فيه و اشتراط المستوى التعلمي ليس فقط كما كان في السابق ”الشهادة الابتدائية” بل يجب اشتراط البكالوريا او الإجازة، خصوصا أن هناك شريحة واسعة من المجمتع حاصلة على الإجازة سواء في العالم القروي أو الحضري، وبالتالي إعطاء الفرصة للكفاءات و الشباب خصوصا وأن جلالة الملك أعزه الله منذ اعتلاءه العرش وهو يولي عناية خاصة بالشباب ويريد “مغرب الشباب”، إذ كيف يعقل ان ننتخب شخصا أميا ونضعه على رأس مجلس الجهة ويصبح بذلك آمرا بالصرف ويسير جهة بموظفيها المؤهلين، أليس هناك تناقض.

وهنا نستحضر هذه الآية الكريمة: ”قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” صدق الله مولانا العظيم.

وبالتالي في ظل عدم كفاءة النخب الجهوية و المحلية و عدم إلمامها بالمقتضيات القانونية والتدبيرية ينعكس سلبا على المشاريع التنموية، كما أنه في غياب تكوين مستمر للنخب (وحتى إن كان هناك تكوين فسيصعب تطبيقه نظرا لأمية المنتخب) وغياب تأطيرهم كل هذا يؤثر سلبا على الجهوية المتقدمة .

إن الإصلاح يقتضي قيام الأحزاب السياسية على منطق الحكامة الجيدة والديمقراطية و بالتالي إفراز نخب سياسية حقيقية مؤطرة جدا مما سيؤدي إلى ترشيد القرار الحزبي و عقلنة الموارد المالية وتأهيل الموارد البشرية وتبني برامج سياسية حقيقية.

إن الأحزاب السياسية مدعوة اليوم لكونها ممارسة فعلية للسلطة بتحمل المسؤولية من خلال تأهيل النخب وتجديدها وتمكين الكفاءات من ولوج المناصب القيادية.

إن الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة.

غير أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا يلاحظ أن الخطاب السياسي، لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية.

فإذا كان من حق أي حزب سياسي، أو أي برلماني، أن يفكر في مستقبله السياسي، وفي كسب ثقة الناخبين، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب القضايا الوطنية الكبرى، والانشغالات الحقيقية للمواطنين.

أما ممارسة الشأن السياسي، فينبغي أن تقوم بالخصوص، على القرب من المواطن، والتواصل الدائم معه، والالتزام بالقوانين والأخلاقيات، عكس ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكات، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي، بمعناه النبيل.

وهو ما يقتضي اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي، بشكل عام، دون الاقتصار على بعض المواد، المدرجة ضمن النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.

كما أنها تتطلب، قبل كل شيء، الانكباب الجدي، على الأسبقيات الوطنية، مع تغليب روح التوافق الإيجابي، وخاصة خلال إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بالمؤسسات الدستورية والإصلاحات الكبرى… وعلى بعد أقل من سنة، على الانتخابات المحلية والجهوية، أتوجه إلى جميع الفاعلين السياسيين: ماذا أعددتم من نخب وبرامج، للنهوض بتدبير الشأن العام.

إن التحدي الكبير الذي يواجه مغرب اليوم، لا يتعلق فقط بتوزيع السلط، بين المركز والجهات والجماعات المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط، وجعلها في خدمة الموطن.

ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة، لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها. وإنما يجب أن تكون مجالا للتنافس السياسي، بين البرامج والنخب. وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *