المغرب يعيد تنظيم مجلسه الوطني للصحافة… إصلاح ديمقراطي أم تكريس للوصاية؟

في خطوة وُصفت بأنها تنظيمية وإصلاحية، صادقت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب المغربي، بالأغلبية، على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. ورغم إشادة الحكومة بما اعتبرته “ضماناً لاستمرارية المؤسسة”، أثار القانون الجديد جدلاً واسعاً، خاصة في شقه المتعلق بطريقة اختيار أعضاء المجلس، وتحديداً “الانتداب” الذي فُرض على ممثلي الناشرين، بدل آلية “الانتخاب”.

هنا يطرح سؤال محوري نفسه: كيف يمكن الحديث عن ديمقراطية داخل مؤسسة يُفترض أنها حامية لحرية التعبير، بينما يُنتدب بعض أعضائها من طرف جهات مجهولة الخلفيات والارتباطات، لا يخضعون لأي مساءلة من الجسم الصحافي نفسه؟

المثير في هذا المشروع أنه قُدم على أنه ردّ على “تعذر إجراء الانتخابات المهنية في وقتها”، مما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق: هل العجز عن تنظيم انتخابات حقيقية يُعالج بتقليص الديمقراطية داخل المؤسسة نفسها؟ ولماذا يُكافأ “الاختناق التنظيمي” بمزيد من السلطة للحكومة على حساب الاستقلال الذاتي للمجلس؟

ولعل ما زاد من قلق المراقبين، هو رفض الأغلبية تعديلًا كانت المعارضة قد تقدّمت به، يُطالب بتعميم الانتخاب ليشمل ممثلي الناشرين أسوة بالصحافيين المهنيين، بحجة أن “الانتداب شكل من أشكال التمثيلية التوافقية”. لكن أليس هذا النوع من “التوافقات” هو ما قاد إلى أزمة الثقة بين الصحافيين ومؤسسات التأطير الإعلامي أصلاً؟

للمقارنة، نأخذ مثال فرنسا، حيث المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري (CSA)، والذي أصبح لاحقاً “ARCOM”، يخضع أعضاؤه لتعيينات شفافة بين البرلمان والرئاسة، مع مسطرة دقيقة تحدد المؤهلات والتمثيلية المهنية، وتخضع للمراقبة البرلمانية، وليس لقرارات توافقية مبهمة. بل إن القانون الفرنسي يفرض تقديم تقارير سنوية أمام الجمعية الوطنية، في حين لا نجد في النسخة المغربية للمجلس الوطني للصحافة أي آلية فعالة للمساءلة أو تقديم الحصيلة أمام المواطنين أو نواب الأمة.

أكثر من 249 تعديلاً تم اقتراحها على مشروع القانون المغربي، ولم يُقبل منها سوى 45، ما يعني أن الحوار كان محدود النجاعة، ولو تم بشكله “التشاركي” المعلن. وما بين هذه التعديلات، كان أبرز ما تم تمريره هو حذف عقوبة توقيف الصحيفة الورقية أو الإلكترونية لمدة 30 يوماً، وهي خطوة إيجابية في سياق دعم حرية التعبير، لكنها تبقى “تجميلية” أمام جوهر الخلل: كيف نبني مجلساً يمثل الصحافة دون أن يكون ديمقراطياً في بنيته؟

وهل يمكن لمجلس يُفترض أنه يحمي أخلاقيات المهنة أن يُبنى على أساسات تتعارض مع جوهر الأخلاقيات ذاتها: الشفافية، المحاسبة، والتعددية؟

الوزير محمد المهدي بنسعيد تحدث عن “التمثيلية التوافقية”، و“ضرورة ضمان الاستمرارية”، لكن ألم تُستخدم عبارة “الاستمرارية” في تجارب كثيرة لتبرير خنق الإصلاح الحقيقي؟ ألا يحق للصحافيين المغاربة أن يحلموا بمؤسسة تنتخبهم وتدافع عنهم، لا أن تُفرض عليهم باسم التوافق؟ وهل يمكن لمؤسسة من هذا النوع أن تُقنع الرأي العام الدولي بأنها مستقلة، وهي وليدة تسوية سياسية داخل لجنة برلمانية؟

المغرب اليوم على مفترق طرق. فإما أن يبني نموذجاً حقيقياً لحرية الصحافة، بمؤسسات ديمقراطية تنبع من داخل الجسم الإعلامي نفسه، أو يواصل سياسة الترقيع المؤسساتي التي لا تنتج إلا مجالس صورية، لا تمثل أحداً ولا تحمي شيئاً.

فهل الإصلاح في المغرب مجرد إعادة ترتيب للأوراق داخل نفس اللعبة، أم بداية تحول حقيقي نحو إعلام حر ومستقل؟