المغرب يهتز على وقع فضيحة مالية مدوية داخل الأحزاب السياسية: ملايين الدعم تبخرت بلا أثر!

الوطن24/الرباط
في بلد ينادي منذ سنوات بترسيخ دولة الحق والقانون، ويؤمن المواطن فيه بأهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة، يُفجّر المجلس الأعلى للحسابات قنبلة من العيار الثقيل، بتقرير يُعري واقعاً صادماً عن تدبير الأحزاب السياسية المغربية للمال العمومي.
التقرير، الذي تناول حسابات الأحزاب برسم سنة 2023، لم يكن مجرد وثيقة إدارية، بل أشبه بمرآة تعكس عمق الفساد الصامت الذي ينخر مؤسسات يُفترض أنها حاملة لمشعل الديمقراطية والشفافية. فكيف يُعقل أن تظل 15 حزباً مدينة للدولة بمبلغ يفوق 21 مليون درهم، دون تقديم أي ضمانات أو مؤشرات على نية إرجاع هذه الأموال؟
أين صرفت هذه الملايين؟ وأي دراسات أُنجزت؟ وأي مؤتمرات نُظمت؟
الأسئلة كثيرة، لكن الأجوبة تبدو غائبة، أو بالأحرى مغيبة عمداً.
ما يكشفه التقرير أكثر خطورة، فثمانية أحزاب، وبعضها ممثل في البرلمان، لم تتمكن من تبرير مواردها الذاتية أو مصادر تمويلها، ما يفتح الباب أمام شبهة غسيل الأموال أو التمويلات المشبوهة. البعض لجأ للتحصيل النقدي متجاوزاً السقف القانوني، وكأن القوانين مجرد أوراق لا تساوي ثمن حبرها.
أكثر من 5.7 مليون درهم صُرفت دون أي وثائق إثبات، وفواتير لا علاقة لها بالأحزاب، أو تحمل أسماء غرباء عن الهيكلة الحزبية. وكأننا أمام مسرحية هزلية يدفع ثمنها دافع الضرائب المغربي الذي يُطالب في المقابل بالتقشف والصبر وربط الحزام.
الفضيحة لا تقف عند هذا الحد، بل إن ستة أحزاب اختارت ببساطة ألا تقدم حساباتها السنوية أصلاً، في تحدٍ سافر لمؤسسات الدولة، وفي استخفاف واضح بكل القوانين. كيف لحزب يطمح لتدبير شؤون المواطنين، أن يعجز عن تدبير ميزانيته الداخلية، أو بالأحرى يتعمد إخفاءها؟
هذا الوضع يضع المغرب أمام مفترق طرق خطير: فإما أن تتحرك الجهات المسؤولة لمحاصرة هذا النزيف، ومساءلة المتورطين مهما كانت ألوانهم السياسية، أو نعلن بصراحة نهاية الثقة في العمل الحزبي، وترك الساحة للعبث واللامبالاة.
الكرة الآن في ملعب الدولة المغربية، إن أرادت إنقاذ ما تبقى من هيبة مؤسساتها، فعليها أن تُثبت للمغاربة أن لا أحد فوق القانون، وأن المال العام خط أحمر، وأن زمن “الدعم بلا حساب” قد ولّى إلى غير رجعة.
