برنامج [[مباشرة معكم]] حول التطرف ومحاولة تغطية الشمس بالغربال

 الوطن 24/ بقلم: الكاتب والباحث نورالدين الحاتمي

نورالدين الحاتمي

في برنامجها [[مباشرة معكم ]] حول التطرف الذي تم عرضه بمناسبة قتل أمير تنظيم الدولة الإسلامية [داعش ]حاولت ـ وتحاول قناة الدوزيم ـان تغالط الناس والمتتبعين وتغطي شمس الحقيقة بغربال باطلها أو إضاعة وضوحها على الاقل، وذلك بعودتها إلى تناول هذا الموضوع، بنفس التصور وبنفس الافكار، وبنفس الرؤية المغرضة والمغالطة، التي ما فتئ الباحثون الغربيون يتناولونها بها وعبر منظارها.

     لقد استضافت هذه القناة مجموعة من الأسماءـ الذين يتغير الزمن ولا يتغيرون ـ واستهلك هؤلاء ذات الأفكار التي توسل بها الغربيون في تحليل ودراسة ظروف وسياقات نشأة الإحتجاجية الإسلامية، ربما منذ الستينات من القرن الماضي، لم يغير هؤلاء الباحثون من اطروحاتهم القائلة أن الفقر والتهميش والإقصاء وغياب الديمقراطية وإستفراد الأقلية بالثروة وحرمان الأكثرية الغالبة منها، وإستعمال العنف المفرط في سبيل ضمان هذه الأوضاع الفاسدة، والحفاظ عليها كما هي، من أجل هذه العصابات والمافيات الحاكمة، وإفتقاد الناس الجواب عن سؤال الهوية والمعنى للوجود، بالنسبة لهذه الفئات المعنية، والفراغ الهائل والمخيف الذي باتت هذه الفئات تعاني منه على المستوى الروحي بالخصوص، بالموازاة مع تخلي الدولة، بجميع مؤسساتها وهياكلها، عن واجباتها واخلالها بالتزاماتها، بل واستقالتها من جميع وظائفها .

     لم يختلف هؤلاء المتدخلون حول هذه القضايا، وحول هذه الافكار، لأنه ليس بمكنتهم ذلك، فهي لم تكن من انتاجاتهم، وهم ـ فيها ـ مجرد نقلة ومقلدة. بل بدا في تقديم هذه الاسباب ـ على الرغم مما هي عليه من البداهة ـ نوع من الضبابية والضعف في الاستيعاب، من قبل بعض المتدخلين، حيث ظن ان الاسباب  ـ التي يحال عليها من اجل الفهم والتفسيرـ اضحت متجاوزة ،لان ثمة من الموسرين جمع التحق بتلك التنظيمات. وهو الامر الذي يسهل بيانه من خلال دراسة الحالات منفردة، اذ كل تلك الاسباب حاضرة، لكنها تختلف من حالة الى اخرى.

    السؤال الان هو اذا كان هذا الكلام صحيحاـ وهو لا شك صحيح ـ وكانت الفئات المهددة بشبح التطرف وأفته هي ـ كما سبق القول ـ فئات فقيرة ومهمشة ومقصية،   و تقع خارج اهتمام الدولة،  وانها لم تنل من الدولة ـ والمجتمع المستفيد من هذه الاوضاع ـ الا ما ذكر، وكان الكلام المعروض متفقا عليه،  فلما تجتمع هذه النخبة [المريضة] لإدانة هذه الفئات وتثمين موقف الدولة منها ؟

    اذا كان الوضع بهذا السوء وبهذا السواد، وكانت الدولة قد تخلت عن جميع واجباتها و تحولت الى اداة في يد العصابة المارقة ـ التي تتكئ عليها في فرض اراداتها وحماية مصالحها ـ وكان الفقراء الذين يعيشون على الهامش  ـ حسب تعبير هؤلاء [المثقفين] الكسالى ـ ولا يستفيدون اي شيء؟ فعلام يقع اللوم في توليد هذا التطرف؟

   لا يختلف اثنان في ان التطرف ما هوـ في واقع الامرـ الا رد فعل طبيعي وقاس، من واقع لا يحترم الا القوي ولا يضمن الا مصالحه، وموقف عاد جدا من دولة، تخلت عن واجباتها واخلت بالتزاماتها وفرطت في هيبتها واحترامها، بما كرسته من الظلم والتعدي والارهاب ومصادرة حق الناس في ثروات ارضهم واحتقارهم، وإذلالهم بل ورهن مستقبلهم الحاضر والمستقبل للأجنبي.

    إن نقيض التطرف الذي تتطلع اليه الدولةـ عبر هذه الجيوش من [المثقفين] الفاشلين ـ هو السكوت على الظلم والقبول بالأمر بالواقع والرضوخ له، وعدم ازعاج الجهات المسيطرة الطاغية ،التي بات واضحاـ للجميع ـ انها لا تفعل شيئا غير سرقة ثروات الوطن والاستفراد بها، في مقابل تجويع الشعب وحرمانه من أبسط حقوقه الطبيعية، فضلا عن غيرها.

    اذا كان التطرف موقفا معاديا للدولة، فإن المجتمع ـ الذي لا ينال حقه من ثروات الوطن ـ كله متطرف، لأن الناس ـ في الغالب ـ كارهون لها، حاقدون عليها، لأنهم لا يرون لها أي مكرمة يوقرونها عليها،  ويحترمونها لأجلها ، وانما يختلفون في ترجمة حقدهم عليها والتعبير عنه،  ويتفاوتون فيما بينهم بين متهم لها بالفساد والرجعية،  وبين رام لها بالكفر والردة. يتفقون في الموقف منها ويختلفون في الوصف.

  يزور الباحثون [التافهون] على الناس الحقيقة، فيزعمون أن المتطرف يعادي الجميع ويتخذ موقفا حاقدا على الجميع، والحق بخلاف هذا ،الحقيقة ان [المتطرف] المفترض ليس معنيا بالحقد الا على الدولة والذين يوالونها، لانهم يستفيدون من عطائها ولا يستفيد هو، ولا يحتفل [المتطرف] المفترض بالفقير ولا يسأل عنه ولا يهتم بسؤاله ، اطلاقا، لا عن اسلامه ولا عن كفره، بل قد يتحالف معه ويصطف، اذا كان الخصم هو الدولة وازلامها.  

    مشكلة المتطرف مع الدولة وليس مع شيء آخر، لأنه يرى فيها سالبة لحقه وسارقة له، ويطالبها بإرجاع هذا الحق، الذي اخذته منه وسلمته للجهات المتنفذة كشرط للتصالح معها. وبقدر رفض الدولة الاستماع له  بقدر ما يزيد حقده عليها. ولا يختلف في هذا اثنان كل من لا يستفيد من الدولة اما انه لا  يبالي بها، وإما ان يسخط عليها،  وحدهم الذين تمن عليهم وتغدق، يحرصون عليها و يعنيهم أمرها.

   المثقفون الكسالى يفترضون أن العلم والمعرفة وملحقاتهما بإمكانها أن تقضي على التطرف، و التطرف العنيف، ويقولون ان خطاب التطرف هذا، لا يغري إلا الاميين والذين تتدنى مستوياتهم التعليمية،  إذا كنا لا نسلم لهم بذلك، ونعتبر أن هذا الكلام هو فقط من باب التشغيب على هذا الوعي الذي يصنعه هذا الخطاب المخاصم [ بفتح الصاد] نزيد فنقول أن هذا الإدعاء غلط، لأنه لا يمكن للوعي ان يقضي على التطرف، الا في حالات قليلة ونادرة، بل بالعكس، قد يكون الوعي والمعرفة هما السبب في هذا التطرف، لانهما يفتحان عين المواطن على الغبن الذي يلحقه ويدفعه  ـ  ـ الى كراهية الدولة والمجتمع المتحالف معها.

   نعم يمكن للوعي أن يفتح عين المسلم على الاختلاف في الفقه، وبين الفقهاء، ويمكن ان يجعله يدرك ان تدخله في تغيير المنكرـ  في كثير من الحالات ـ غير مبرر ولا مسدد، وأن هذا الأمر لا يصح إلا في المتفق على إعتباره منكرا، وهذا لا يكون إلا نادرا .

    ويمكن أيضا، أن يجعله اكثر ليونة ويسرا، بما يدركه من طبيعة الإنسان والمجتمع، وتنوع علاقاتهما مع الدين، وأن هذا الأخير هو أيضا يتأثر ويتغير تبعا لتغير الناس، حتى وإن زعم البعض عكس ذلك.

    قد يفعل الوعي ذلك، و قد يحول دون تهور الغاضب والناقم على الدولة، ويساعد على التعقل، ولكنه ابدا، لا يمنع من الوقوع في التطرف ـ حسب وجهة نظر الدولة وازلامهاـ  ولا يمكن ان يجعل الساخط على الدولة والمنتفع بعطاياها، راضيا عنها فرحا بها محترما لها، فهذا الأمر مرهون باحترامها نفسها وفرضها لهيبتها، وطالما أن الناس لا يرونها كذلك، بل يرونها اداة في ايدي اللصوص و[الحرامية] الكبار، وهي متحيزة لهم مناصرة، ولا تفرض قانونها الا على الفقراء والمسحوقين والمهمشين،

     سيظل المتطرف، في عين الدولة وسحرتها، متطرفا  إلى ان ينال حقه وينعم بالعيش الكريم، و ووحدهما، الاقتسام العادل للثروة واعطاء كل ذي حقه، كفيلان بمحو اثار هذه الافة أو الحد منها على الاقل. أما الاستعانة بالباحثين الفاشلين الكسالى من اجل جعل الموضوع الواضح البين ملتبسا وغامضا، فهذا امر مكشوف، والناس اليوم اصبحوا اكثر وعيا بحقيقة المشكل وجوهره ولذلك هم لا يكنون أي موقف عدائي لهؤلاء [[المتطرفين]]

  المتطرف ضحية قبل ان يكون مجرما والدولة التي تخل بواجباتها وتتحلل منها، هي أيضا يجب ان تحاسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *