عقوبة الإعدام بين مطالب بالإلغاء ومدافع عن الإبقاء

الوطن 24/ *مريم عزوزي

 

تعد عقوبة الإعدام من أقدم صور العقوبات البدنية وأشدها جسامة إذ تطال حق المحكوم عليه في الحياة، و ترجع في جذورها التاريخية إلى المجتمعات القديمة حيث اعتبرت الوسيلة الفضلى لاقتلاع بذور الجريمة وتطهير النفس من الإثم الذي اقترفته و إجراء لردع الأخرين.

غير أن قسوة عقوبة الإعدام التي تضع حدا لحياة المحكوم عليه بها، أثارت حولها جدلا واسع النطاق خاصة مع تطور مفهوم العقوبة، وبالتحديد من القرن الثامن عشر، فخلافا للتشريعات القديمة التي سلمت بعقوبة الإعدام ولم تعرف جدلا بين الفقهاء حول مشروعيتها ومحاولة تبريرها، فإنه في العصر الحديث أصبحت عقوبة الإعدام مثار جدل فقهي وفلسفي وتشريعي وحقوقي بين مؤيد لبقائها ومطالب بإلغائها .

وفي هذا السياق نجد أن المغرب من بين الدول التي تعالت فيه مؤخرا أصوات بعض الجمعيات الحقوقية المغربية مطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام على إعتبار أنها تمس بالشرعية الدولية، بينما يرى إتجاه آخر ضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام كرادع للمجرمين أو على الأقل كي يقارن المجرم بين لذة الجرم وألم العقوبة.

وبين هذا وذاك، ما هي إذن حجج ومببرات المطالبين بإلغائها ؟ وما هي أيضا دفوعات المنادين بالإبقاء عليها ؟

المحور الأول : الإتجاه المؤيد للإلغاء النهائي لعقوبة الإعدام
تتعرض عقوبة الإعدام إلى حملات انتقادية متعددة في العالم المعاصر، تنادي بإلغائها، رغم ما لهذه العقوبة من تأثير فعال عام وخاص في تخويف الأفراد في المجتمع و تهديدهم بالبعد عن طريق الجريمة.
ويعتبر الفقيه الإيطالي ” سيزار بكاريا ” في الفصل 28 من كتابه: “الجنح والعقوبات”، أنه أول من أطلق شرارة الدعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام، وكان ذلك سنة 1764 مقترحا بديلا عنها السجن مدى الحياة مع الأعمال الشاقة، – غير أنه أقرها في حالة الجرم الفظيع -( أي أن بكاريا لم ينادي بإلغائها نهائيا كما هو الأمر بالنسبة لمطلب جمعياتنا الحقوقية )،
وقد أحدثت نظريته هذه انقلابا في تلك الحقبة، ولقيت القبول والتأييد من العديد من المفكرين والفلاسفة .
وهي دعوة تقوم على جملة من الحجج والمبررات تبنتها العديد من الدول التي سلكت خيار الإلغاء، وقد نهجت الدول في هذا المجال، واحدا من ثلاث إتجاهات :

الأول: الإلغاء النهائي بنص تشريعي (الإلغاء القانوني).
الثاني: الإلغاء الواقعي للعقوبة، بتعطيل النص بعدم تطبيقه، بحيث لا تصدر المحاكم أية عقوبة بالإعدام، بما لها من سلطة تقديرية في ذلك.
الثالث: هو الحد من التجريم التي تطالها العقوبة العظمى، وحالات الحكم والتنفيذ، مع الإبقاء على العقوبة في حدود الجرائم المتسمة بنوع من الخطورة.

غير أننا نجد الجمعيات الحقوقية بالمغرب قد اختارت سلك الإتجاه الأول وبالتالي المطالبة بالإلغاء النهائي لهذه العقوبة ومن المبررات والأسباب التي أعتمدتها، نذكر ما يلي :

ـ أن عقوبة الإعدام قاسية و تتنافى مع إنسانية الإنسان: إذ أن هذه العقوبة، من منظور المعارضين لها، تلغي إنسانية الإنسان، لكونها تمس بحق مقدس لديه، وتحط من كرامته، فليس من حق أي كان أن يعطي لنفسه صلاحية التصرف في حياة البشر، لأن الحق في الحياة حق مقدس، ولا يجوز إلغاؤه ومصادرته، ولو قانونا.

ـ عقوبة الإعدام ليست النموذج الأمثل في السياسة العقابية: من مبررات أنصار الإلغاء انهم يجدون أن عقوبة الإعدام لم يثبت أنها تمثل النموذج الأمثل للسياسة العقابية، بل إنها عقوبة غير مجدية، لأنها لا تفيد في الردع العام ولا الخاص.

ـ الحق في الحياة حق مقدس: هو حق كرسته المواثيق الدولية و الدستور المغربي لسنة 2011 من خلال الفصل 20، ولذلك فالإبقاء على عقوبة الإعدام يشكل مساسا واضحا وخرقا سافرا لمتطلبات الحق المذكور، وبناء عليه، نجدهم يوصون بالدفع بعدم دستورية العقوبة على أساس أنها تتعارض مع مقتضيات الدستور، إلى جانب ذلك، يدعم المدافعين على ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام موقفهم.

– ان عقوبة الإعدام غير عادلة وغير منطقية: يعتبرون عقوبة الإعدام عقوبة غير عادلة، لأنها تعد بمثابة جريمة قتل ترتكبها الدولة عند اختيارها إزهاق روح الإنسان ، فهي غير عادلة لكونها أقرب إلى التشفي و الانتقام، وهي مجافية للمنطق لكونها تشكل قتلا للجاني، والحالة أن القتل محرم ولو أضيفت عليه الشرعية، ومن ثم فإن المنطق لا يستقيم من حيث أن السلطة العامة، تحرم على الجاني القتل تم تبيحه لنفسها.

ـ أن عقوبة السجن المؤبد تعد بديلا معقولا: إذا كانت الغاية من العقوبة العظمى، هي توفير الحماية الفعالة للمجتمع، فإن عقوبة السجن المؤبد، تفي بهذا الغرض، وتغني عن المس بقدسية الحياة، وتزداد وجاهة المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام قوة، من خلال التأكيد انه رغم وجود هذه العقوبة، وعلم الكافة بها، إلا أن ذلك لم يمنع مطلقا من تقلص جرائم القتل التي ظلت موجودة و التي يعيشها كل مجتمع على مدار السنة وهو ما يؤدي إلى انتفاء كل مصلحة من وراء تشريعها.

وهكذا فأنصار إلغاء عقوبة الإعدام يرون في هذه العقوبة أنها غير مفيدة وغير منطقية، إذ لا يمكن أن تصلح مطلقا من المجرم، وأن غاية كل تشريع عقابي معاصر هي إصلاح المجرم لا إعدامه، ويخلصون في نهاية المطاف إلى القول بأنه إذا كانت الغاية من عقوبة الإعدام هي توفير الحماية الفعالة للمجتمع فإن عقوبة السجن المحدد أو المؤبد، تفي بهذا الغرض، وتغني عن المس بقدسية الحق في الحياة.

المحور الثاني : الإتجاه الرافض للإلغاء النهائي لعقوبة الإعدام

إن عقوبة الإعدام من وجهة نظر المدافعين عنها هي العقوبة المثلى، لأنها تقصي من المجتمع كل من يعبث بأمن و استقرار أفراده فضلا على أنها تحقق الردع المنشود، لجعلها الجاني يفكر مليا و كثيرا قبل أن يقدم على إزهاق روح خصمه، لأنه تنتظره نفس النهاية التي قررها له وهو ردع من شأنه أن يؤدي إلى التخفيض في عدد مرتكبي هذه الجريمة، هذا فضلا عما يحققه داخل نفسية الفرد السوي من أفراد المجتمع من طمأنته في نجاعة و عدالة منظومتهم بما توفره لهم من ضمانات تحمي وجودهم.

ولقد دعم أنصار عقوبة الإعدام دفاعهم على ضرورة وجودها والإبقاء عليها، بالدفع بأن الإصلاحات القانونية أدت إلى جعلها مقتصرة على بعض الجرائم الخطيرة التي تدل دلالة واضحة على خطورة شخصية الجاني، وبشاعة الجرم الذي أقدم عليه، وهي جرائم تدل من خلال الاختلال الظاهر في موازين القوى بين الجاني والمجني عليه على عبثية ارتكاب الأول لجريمته لانتفاء مبرراته وهي عبثية تقييم الدليل على انعدام القيم الاجتماعية داخل شخصية الجاني، مع ما يعنيه ذلك، من أنه يحتل خطرا حقيقيا على أفراد المجموعة أن ترك على قيد الحياة.

وتستدع ضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام بالقول أن تعويضها بعقوبة السجن مدى الحياة لا يمكن أن يمثل حلا، لأنه لا يعقل أن تدفع المجموعة الوطنية من آداءاتها لإعالة الجاني الذي هتك حرمة أفرادها واستباح دماءهم، لأن العقد الإجتماعي الرابط بين أفراد المجموعة يقوم أساسا على ضرورة توفير الحماية الجسدية لهم، وإذاقة الجاني نفس مرارة أفعاله، من خلال تسليط عقوبة الإعدام على قائله تحقيقا لمثل العدالة، وأهدافها وتلافيا للعدالة الخاصة.

وهكذا اعتبر المؤيدون لعقوبة الإعدام، بأنها عقوبة مبنية على مبررات مقنعة وأسس صلبة، تؤكد جدواها وضرورتها، كوسيلة فعالة ضمن السياسة العقابية. فما جعل دعاة الإبقاء على عقوبة الإعدام يصرون على موقفهم، ويتشبثون ويتمسكون بوجهة نظرهم، هو كون الأدلة التي قال بها دعاة الإلغاء لم ترق إلى مستوى الإقناع كما أشرنا لها سابقا، لظهور تهافتها وقصور مبرراتها.
و في هذا السياق، و توسعا فيما سبق ذكره بشأن المبررات التي تقوم عليها وجهة نظر المؤيدين، سنتعرض الآن لمبررات المطالبين بالإبقاء عليها.

ــ عقوبة الإعدام تجد أساسها في دين الإسلام: دين الإسلام هو دين الدولة المغربية وذلك بتنصيص صريح من الدستور، وفي نفس السياق، شدد الدكتور محمد يسف، الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى على ضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام، و اعتبرها شأنا دينيا، بصريح العبارة: والذي يثير الشفقة حقا هو أن يعلن بعضهم، دون حياء من الناس و لا خوف من الله، أن قضية الإعدام لا شأن للدين بها، اما يعلم هذا أن من أزهق روحا بغير حق فهو بمثابة من أزهق أرواح البشر جميعا ؟ أما يسمع قول الله تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون “.

ويرى جانب من الفقه أن الإلغاء الكلي لهذه العقوبة فيه إفراط فيما يسمى حقوق الإنسان كما أن مفعولة يجب أن يصلح الجاني لا ينتقم منه فيها نوع من المبالغة، فهناك جانبان في المسألة، جانب الإصلاح، وجانب الردع، ولا يمكن البتة إلغاء عقوبة الإعدام في حالة بعض قتلة الأطفال من طرف المجرمين السافحين بدعوى قداسة الحياة، لأنه حتى أولئك الضحايا لهم الحق في الحياة، وليس عدلا أن يتم حماية بعض المجرمين المفسدين تحت غطاء حقوق الإنسان.

ــ عقوبة الإعدام وسيلة فعالة للردع العام و الخاص: يعتبر المؤيدين لعقوبة الإعدام، بان الحكم بهذه العقوبة يشكل وسيلة لردع الجناة، وتنهيهم على الإقدام على إرتكاب الجرائم، وذلك نظرا لما تحدثه في نفوسهم من رهبة وتخوف، لكونها تشكل أقسى العقوبات، فهي بدلالتها الرمزية تعني فناء المحكوم عليه وموته وهي بذلك، مرادفة للعدم، والحرمان النهائي من أغلى ما يحرص عليه الإنسان وهي حياته.

وهذا من شأنه الإسهام في انخفاض معدل الجريمة، على إعتبار أن القتل أنفى القتل، وبالتالي تحقيق الأمن والإستقرار في المجتمع، من دلائل ذلك أنه في إنجلترا مثلا، إرتفعت نسبة عدد جرائم القتل بعد إلغائها لعقوبة الإعدام، حيث في عام 1957 بلغ عدد الجرائم 135 جريمة، في عام 1973 وصل إلى 465 جريمة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المجرمين يخشون تطبيق عقوبة الإعدام عليهم، كيف ولا هي تنتزع أغلى شيء عند الإنسان، وهو حياته ووجوده.

ــ هي عقوبة عادلة و ليست ظالمة: لأن الجاني يعامل بمثل ما جنت يداه، أي أن هناك تناسبا تاما بين العقوبة وطبيعة الجريمة.
وفي هذا السياق، نجد أن الدكتور جلال أمهمول، قد عارض بدوره و بشدة إلغاء عقوبة الإعدام من المنظومة الجنائية، وقد أكد بمجموعة من الأدلة الدامغة أن إلغاء هاته العقوبة سيؤدي لا محالة إلى إختلالات في المجتمع عموما. وفي هذه المنظومة الجنائية التي تنبني على نوع من التوازن والتناسب بين الجريمة والعقوبة، فبقدر ما تكون الجريمة خطيرة، بقدر ما تكون العقوبة قاسية، وإلغاؤها سيؤدي إلى أن تكون جميع الجرائم المعاقب عليها بالإعدام معاقبا عليها بالسجن المؤبد، وينتج عن ذلك أن الجرائم التي يعاقب عليها بالسجن المؤبد ينبغي أن تتحول عقوبتها إلى السجن المحدد، وهذا سيؤدي إلى إختلال في المنظومة الجنائية لكن دعاة الإلغاء لا يريدون الدخول في هاته التفاصيل، فهم يريدون النتيجة فقط، هي إلغاء عقوبة الإعدام، ويتناسون بأن الإبقاء على هذا النوع من العقوبة تمليه الضرورة السياسية في حماية النظام العام و التصدي لكل ما يشكل خطرا على الأمن و الإستقرار بهذا البلد العزيز.

وبهذا تكون عقوبة الإعدام عادلة كون الجاني يعامل بمثل ما جنت يداه، ولا يمكن إعتبار السجن المؤبد بدلا عنها، بل إنها أقسى منها، والدليل على ذلك أن عددا كبيرا من المحكوم عليهم بالسجن المؤبد يقدمون على الإنتحار، مفضلين الموت، بدل البقاء خلف القضبان مدى الحياة.

ــ هي وسيلة فعالة للحد من حالات العود للجريمة وإنخفاض معدلها: تساهم عقوبة الإعدام في الحفاظ على النظام العقابي على إعتبار أن القول بإلغائها، وتعويضها بعقوبة السجن المؤبد، كما ينادي بذلك دعاة الإلغاء، من شأنه أن يسوي بين الجرائم المتفاوتة من حيث الفظاعة، وقد يتعدى الأمر ذلك، كقيام السجين المحكوم عليه فعلا بالسجن المؤبد إلى إرتكاب جرائم القتل وغيرها من الجرائم الأخرى ضد زملائه وعمال السجن المقيمين معه، طالما يشعر أنه محكوم عليه منذ البداية بالسجن مدى الحياة، فلا يتورع عن إرتكاب سلسلة من الجرائم و هو مقيم في سجنه دون أي إعتبار لأية عقوبة أخرى ستسلط عليه أشد وطأة من العقوبة الدائمة التي يقضيها طول حياته.

فعقوبة الإعدام لا تسمح للمجرمين المتمرسين، والمتسمين بالخطورة، بتكرار أفعالهم إذ يستحيل العود مع تنفيذ عقوبة الإعدام، التي تضع حدا نهائيا للنشاط الإجرامي، وتقي المجتمع من ويلات تكراره.

ونتيجة للمفعول الرادع لعقوبة الإعدام يتحقق انخفاض في معدل الجريمة، وذلك لما ينتج عنها من ردع عام وخاص، فهذا المفعول الرادع، من شأنه أن يؤدي إلى تدني مؤشر الجريمة في الدول التي تطبق العقوبة، مقارنة مع تلك التي ألغت العمل بها.

ومن خلال استعراضنا لبعض آراء ومبررات الإتجاهات الرافضة للإلغاء الكلي لعقوبة الإعدام، يتضح بجلاء بأن أفكارهم تؤكد أن الفاعل هو الذي ورط نفسه في هذه العقوبة القاسية، ولو شاء الإفلات منها ما كان ليقدم على فعلته الشنيعة، كما يلاحظ أيضا من خلال الإتجاه الفقهي المعارض للإلغاء النهائي لعقوبة الإعدام استماتة أنصاره في محاولة ضمان حق المجتمع في الدفاع عن نفسه، لأن العقوبة هي وسيلته للدفاع عن قيمه ومبادئه وثوابته في وقت كثرت فيه الجرائم، وتناسلت وتطورت في كل دقيقة وثانية.

* باحثة بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق طنجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *