غياب المغرب عن مؤتمر برلين..ما السبب في إنكماش الدبلوماسية المغربية تجاه الأزمة الليبية؟!

الوطن 24/ الرباط

من المعلوم أن المغرب لعب دورا محوريا في تدبير أطراف الأزمة الليبية لمخارج الحل السياسي، وقيادة البلاد إلى بر السلم والتهدئة من أجل بناء دولة جديدة بعد صراع عسكري طال أمده، وهكذا أصبح المغرب يمتلك الشرعية الأممية لفك النزاع في ليبيا.

وكان دور المغرب بارزا في جمع الأطراف المتنازعة، تحت مظلة الأمم المتحدة تم تتويجه باتفاق الصخيرات، حول ترتيب البيت الداخلي الليبي، وتجديد تأسيس الدولة مؤسساتها. غير أنه منذ توقيع الاتفاق المذكور بين الأطراف المتحاربة سال مال كثير تحت الجسر وتغيرت خريطة ومواقع الأطراف على أرض المعركة.

كانت حملة خليفة حفتر على طرابلس بداية شق عصى الشرعية الدولية والانقلاب على اتفاق الصخيرات، وبالتالي خلقت واقعا جديدا على الأرض استدعيت له أطراف خارجية أخرى، ترى في حفتر إما حليفا وحارسا لمصالحها وبالتالي وجب دعمه، أو عدوا لمصالحها ونفوذها وباعثا على خلق خريطة نفوذ دولية جديدة في المنطقة ويتعين تعقبه وإفشاله وبالتالي دعم خصومه الليبيين الموحدين خلف حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج.

خلال هذا المد والجزر العسكري على الأرض، تمكن حفتر من تحقيق تقدم على معاقل ميدانية لخصومه، وبالتالي أصبحنا أمام تجاوز لمضمون اتفاق الصخيرات بتغير قواعد القوة على الأرض والتي يرى فيها حفتر وحلفاؤه سندا للمطالبة بامتيازات سياسية جديدة في الدولة المستقبلية. هكذا يمكن القول أن أول من انقلب على موقف المغرب الحاضن للحل السياسي الدولي هو حفتر ومن يواليه وليس حكومة الوفاق.

وفي خضم هذه التجاذبات العسكرية، ارتفعت أصوات حكومة الوفاق أكثر من مرة للتنديد العسكري واللوجيستي الذي يتلقاه حفتر من دول خارجية إقليمية ودولية. ومع شدة هجمات القوات المعادية للقيادة الطرابلسية، وصلت إلى حد اغتيال مجندين عزل في مدرسة عسكرية أثناء تداريب، بواسطة طائرات مسيرة، خفت صوت المغرب وتدخلت أطراف أخرى دولية على خط المواجهات الداخلية.

أهم الأطراف التي برزت بشكل قوي ومؤثر في السياق العسكري والسياسي هم روسيا وتركيا والجزائر. وبمجرد توقيع اتفاقية تعاون أمني وعسكري وبحري بين حكومة الوفاق الشرعية وتركيا تحرك الموقف المغربي بشكل غير ملائم، وغير محسوب العواقب.

في هذا الظرف، بالذات،  عبر المغرب عن رفضه للتدخلات الأجنبية في الأزمة الليبية ومتبنيا بشكل واضح عبر عنه موقف بيان اجتماع جامعة الدول العربية ردا على تدخل تركيا، وبالتالي تبنى موقف دولة الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر، الشيء الذي أدى إلى فقدان ثقة حكومة الوفاق في موقف المغرب كدولة محايدة في النزاع، وهو الرأي الذي عبر عنه مصدر ليبي في حديث مع جريدة (بناصا).

وعبر المصدر نفسه، الذي رفض الكشف عن هويته، بالقول: المغرب أضاع الفرصة بعد تراخي الدبلوماسية مؤخرا إلى درجة غير مفهومة، بالرغم من المغرب لعب دورا محوريا في إنجاح لقاء الصخيرات الذي تمخضت عنه حكومة شرعية معترف بها من لدن الأمم المتحدة، وهكذا أصبح للمغرب دور محوري باعتباره راعي المصالحة والسلام، كما أصبح أيضا يمتلك مشروعية أممية كان على الدبلوماسية المغربية أن تتبوأ موقع الصدارة في عملية المفاوضات، لأن المغرب له معرفة جد دقيقة بعناصر المشهد السياسي الليبي.

الصراع المغربي ـ التركي أضر بالسياسة الخارجية تجاه الملف الليبي

وبما أن المناسبة شرط، فإن موقف المغرب هذا يربط بما لايدع مجالا للشك بتدخل تركيا، ذلك أن حكومة الوفاق ظلت تصرخ لشهور بتدخل دول أخرى كروسيا وفرنسا والإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر ولم يتخذ المغرب موقفا مشابها كالذي اتخذه عند تدخل طيب رجب اردوغان وحكوته وجيشه. 

وما يؤكد تورط المغرب في أزمة صامتة مع تركيا، هو سياق الحديث عن أزمة تبادل تجاري بين المغرب و تركيا، والذي وصل إلى حد تهديد وزير الصناعة والتجارة المغربي بوقف العمل باتفاق التبادل الحر بين البلدين بسبب ما وصفه بالخلل في الميزان التجاري بينهما لفائدة تركيا. هذا مع العلم أن التواجد التجاري التركي بالمغرب هو تواجد اجتماعي يقوي القدرة التجارية للطبقات الفقيرة والمتوسطة المغربية ويساهم في السلم الاجتماعي ويخلق فرص شغل من خلال المنتوجات الغذائية والنسيجية والصناعية المنزلية في متناول المغاربة البسطاء. هذا التهديد بتعليق اتفاق التبادل الحر بين البلدين مرده إلى ضغوطات لوبيات رجال أعمال مغاربة لا يهمهم المنظور السياسي بقدر ما تهمهم مصلحتهم المادية المباشرة. كما يعزى أيضا إلى الضغوطات الفرنسية من أجل كبح توسع الأتراك الاقتصادي في المغرب.

وكان من باب التوازن تناول باقي اتفاقات التبادل الحر بين المغرب وبين عدة دول غربية على رأسها فرنسا بنفس المعايير، رغم أن استثمارات تركيا هي استثمارات ذات بعد اجتماعي متوازن عكس باقي الشركاء. يأتي هذا في ظل حديث الحكومة المغربية عن جلب الاستثمارات ذات العمق الاجتماعي وأنها تعمل من خلال قوانين المالية على تكريس هذا المعطى، غير أن توجهات فصيل داخل الحكومة يسير عكس ذلك يجسده موقف وزير الصناعة والتجارة ومن قبله مواقف كل من وزير الشباب والرياضة من تركيا و خطوات وزير المالية بفرض رسوم جمركية جديدة على المنتجات التركية النسيجية.

إذن سياق أزمة واضح مع تركيا توج ببلاغ لوزير الخارجية المغربي برفض أي تدخل أجنبي في ليبيا، يعكس مدى التخبط في فهم الواقع الجديد على الأرض ومدى حرص الأطراف ولو كانت بعيدة جغرافيا على حماية حدود مصالحها الاقتصادية والثقافية.

الدبلوماسية الجزائرية تملأ الفراغ الذي تركه المغرب

هذا الوضع خلق نفورا لدى اللبيين من المغرب، فمن جهة حفتر فهو يرى أن المغرب مجرد تابع للسياسة الخارجية الفرنسية وخاضع لضغوطات السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر ولا يمكنه في الوقت الراهن التمايز عنها وبالتالي لا جديد في موقفه ولا داعي لحضوره في مؤتمر برلين أمام حضور أصوات اقوى. ومن جهة حكومة الوفاق التي لمست لبسا وارتباكا في الموقف المغربي، والذي أخذت الجزائر مكانه بذكاء عندما استقبلت حكومة الوفاق واستقبلت وزير خارجية تركيا وأصدر الرئيس الجديد بيانا يقول فيه بشكل واضح بأن طرابلس خط أحمر بمعنى يوجه رسالة مباشرة غير مشفرة لحفتر ومن معه.

وزير الخارجية المغربي عندما خرج في الإعلام الدولي، أجاب عن هذه النقطة ردا على موقف الجزائر بأن ليبيا كلها خط أحمر وهنا يكمن اللبس والغموض. عندما قالت الجزائر بأن طرابلس خط أحمر فهي تعني القرار السياسي وتعني المؤسسات وتعني العاصمة السياسية، أما موقف ناصر بوريطة فكان أقرب إلى البلاغة الإنشائية الأخلاقية بدون رسالة سياسية قوية للأطراف التي تفهم منطق القوة ولا تعني لها شيئا لغة التعاطف والبلاغة. فعندما تعبر خارجية دولة كالمغرب عن اندهاشها واستغرابها من عدم دعوة المملكة إلى مؤتمر برلين، فهذا يقطع الشك باليقين في وجود الديبلوماسي المغرب في حالة شرود تامة، حالة عدم تملك رؤية استباقية استشرافية، وعدم وجود خطط بديلة جاهزة متوقعة لتدبير مثل هذه الأزمات سواء قبل حدوثها أو أثناء وقوعها. تعبير لغوي عن الاستغراب لم يكن موفقا واظهر بالملموس عدم وجود عقلية ديبلوماسية في وزارة الخارجية واعية جدا بمنطق الصراع الدولي والإقليمي ومتشبعة بالمدرسة الواقعية في تدبير العلاقات الدولية.

بخصوص اختيار برلين ألمانيا لانعقاد هذا المؤتمر، فالأمر واضح ولا يحتاج إلى تحليلات كبرى. ألمانيا محايدة إلى حد بعيد في المسألة الليبية خصوصا على المستوى العسكري وغير متورطة في دعم أي طرف عكس إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

أضف إلى هذا أن أيضا ألمانيا تربطها علاقات متينة مع تركيا، علافات اقتصادية وإنسانية غير الهجرة التركية، ولها أيضا علاقات سياسية تاريخية وإقتصادية مع روسيا منذ عهد الحرب الباردة ثم في عهد هيلموت كول وغورباتشوف والذين جسدا وقتها جسرا بين الغرب والشرق.

على سبيل الختم

  إن غياب المغرب عن التفاعل مع تطورات الوضع الليبي، وعدم حرصه على البقاء في المشهد والتأثير فيه بمواقف قوية وحاسمة، هو من جعل الأطراف القديمة في الصراع الليبي أو الجديدة حاليا، تنظر إليه بعين الريبة والتشكيك في القدرات، وهي كلها نقائص تنسب لإدارة الديبلوماسية المغربية التي تراجعت كثيرا في الملفات الدولية الكبرى أمام نزعة جديدة داخلها تهتم بالتسويق والترويج الإعلامي لصغائر الأمور من منظور ميزان القوى في العلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *