فاجعة فاس.. انهيار عمارتين يضع المغرب أمام امتحان عسير: بين البناء العشوائي والغش والمسؤوليات الغائبة

لم يكن انهيار العمارتين بحي المسيرة في فاس مجرد حادث عرضي أو فاجعة جديدة تضاف إلى سجل الكوارث العمرانية، بل كان صفعة قوية كشفت حجم الخلل الذي ينخر منظومة التعمير في المغرب، ووضع البلاد أمام تحديين ثقيلين: البناء العشوائي من جهة، والغش في عمليات البناء من جهة ثانية… وما بينهما شبكة من المسؤوليات المتداخلة والصمت المكلف.

الانهيار الذي أودى بحياة 22 شخصًا بينهم أطفال، وخلّف عشرات الجرحى، لم يكن ليحدث لولا تراكم سنوات من التجاوزات التي بدأت بطوابق تضاف بلا رخص، ومراقبة غائبة، وغضّ طرف غير مفهوم عن بنايات كانت علامات الخطر بادية على جدرانها منذ زمن.
فالسؤال اليوم لم يعد: كيف انهارت العمارتان؟ بل: كيف بُنيتا أصلًا؟ ومن سمح؟ ومن سكت؟

تحدي البناء العشوائي لم يعد مرتبطًا فقط بالأحياء الهامشية، بل صار ينتشر داخل المدن نفسها، متغذيًا على ضعف المراقبة وتباين صلاحيات المتدخلين. أما الغش في مواد البناء وفي احترام معايير السلامة، فقد تحوّل إلى قنبلة موقوتة تهدد أرواح المواطنين كل يوم، دون أن يُسمّى الفاعلون أو تُحدد المسؤوليات بالوضوح المطلوب.

وتقف السلطات المحلية اليوم أمام لحظة حاسمة: فإما أن تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة مراجعة شجاعة، وإعادة ترتيب للمسؤوليات وتفعيل آليات المحاسبة، وإما أن تبقى مجرد عنوان مؤلم يضاف إلى سلسلة من الكوارث التي كان يمكن تفاديها.

فاجعة فاس دقت ناقوس الخطر بوضوح تام: لا مجال بعد اليوم للمجاملة في ملف التعمير، ولا لترك المواطن رهينة بين غياب المراقبة وطمع الغشاشين. إنقاذ ما تبقى يبدأ بخطوة واحدة: الجرأة في فتح الملفات، ومواجهة الحقيقة كما هي، مهما كانت مؤلمة.