فصل المقال فيما بين الحكمة والتهور من اتصال وانفصال

الوطن 24/ بقلم: العلمي الدريوش

العلمي الدريوش

بأسف وحزن لا مثيل له اتتبع اليوم إرتسامات وتعاليق عديد من الناس حول لاعبي منتخبنا الذي ودع منافسة كأس إفريقيا 2019 . من حق الناس أن تغضب وتغضب وتفرغ ما في قلوبها من إحباط وإنكسار بعدما جعلناهم يحلمون بالإنتصارتلوالإنتصار. الحق في الغضب مثل الحق في الحلم لأنهما وليدا عاطفة صادقة عمقها تقديس سمعة وعلو وجه الوطن. فالوطنية الصادقة تظهر في طموحنا الزائد إلى ما ينبغي أن يكون عليه الوطن، والوطنية الصادقة أيضا يظهرها خوفنا المرعب مما قد يؤول إليه الوطن. بين مشاعر الحلم والخوف والإحباط حدود واهية تفصل بين الحكمة والتهور. قد يكون حلمنا حكيما معقلنا  مقبولا يقيس جيدا المسافة المفترضة بين إحتمالات الحلم وإمكانات الواقع. وقد يكون الحلم متهورا مندفعا طوباويا ومفارقا لإمكانات الواقع. نفس الأمر ينطبق على الإحباط كإحساس أعمى بالإنتكاسة يغمض أعيننا وننساق خلفه في ظلمات الآسى وبين الإحباط الذي يلزم صاحبه بالجلوس للانصات إلى ألم الجرح والتفكير في العلة والدواء ومراجعة الحسابات والإفتراضات.

  المؤسف فعلا أننا شعب يحلم بتهور وياسى بتهور أكثر. بمجرد ما يلمع نجم يخطف أبصارنا فنسبح له ونهلل ونطالب به مهما كان الثمن. وعندما نفشل في الإستفادة منه بالشكل الأمثل نقول أن نجمنا أفل. نشتري حاسوبا من أجود ما ابتكر في عالم الحواسيب ونسلمه مسؤولا أو إطارا لا يستعمله إلا في الاذى والعار لنقول أن التكنولوجيا خبيثة تلوث العقول ولن تبقي لقيمنا من أثر. وها نحن اليوم أوفياء للطبع والمشهد، نهاجم نجوما حد الإذلال، وقد كنا نرقب وجوههم مع طلعة كل شمس أو هلة هلال. حملنا حقدا على اللاعبين وتحاملنا فوق الإحتمال، وانستنا لحظات قبح اشراقات الجمال. رأيت من التهور في تعاليق وإنطباعات الناس بعد الإقصاء ما يعجز عن وصفه الخيال. من حق الناس أن تسخر وتنتقد، ولكن السخرية والنقد فن نبيل الطموح والمرمى وليس رديف التحقير والهوان.

ما أراه اليوم عاطفة عمياء تسب الأمواج وتنسى البحر الذي كونها وتحكم في علوها وانكسارها. ما ذنب زياش وقد رأيناه محتارا منهارا محطم الفكر و الوجدان يغادر الملعب وهو الذي كان يغادره في ثوب الملك المتوج؟!  وكان الأحرى بنا أن نطرح السؤال: ما ومن (لغير العاقل والعاقل) الذي حول هؤلاء الرجال..ذ؟ ما الذي محا عن أبنائنا  صفات الأبطال؟!. من غير حقد أو ضغينة أشير بكامل أصابع الإتهام إلى منظومة رياضتنا برغم أموالها الثمينة. المنظومة فاشلة بكل مقاييس الفشل، لأنها تأسست بالتزلف والقربى والجاه والنسب.. وما بني على الباطل – وليرحم الله الفقهاء الكرام – فهو باطل سواء في الفقه أو كرة القدم. منظومتنا منظومة التخنيث والنشاط، وليست منظومة الكد وإعداد الرجال .. سنسب ابناءنا وقد ادخلناهم في منظومة مهمتها صناعة التشويه، ثم نعود من جديد إلى ركوب حصان الحلم المتهور الأعرج . أما آن الأوان كي نضع قطيعة بين الحلم والتهور؟  متى يكف الضحايا عن لوم الضحايا والسبايا عن سبي السبايا .. فكلنا في البحر الواحد نغرق .. ولا زلنا نتبادل اللوم والعتاب.

أرجو أن تكون النكسة فاتحة لجرد الحساب وبناء منظومة مكان آخرى دب فيها الفساد والخراب. وهي جزء من بناء أوسع تلتقي وتتقاطع فيه كل المجالات . فرجاء آخرجونا من مستنقع هذا اليآس والإحباط المتهور و الأعمى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *