فن قراءة التاريخ الفلسطيني في شعر محمود درويش.

الوطن24/ بقلم: د. الغزيوي أبو علي*

تقديم: فن قراءة التاريخ الفلسطيني في شعر محمود درويش.

 فبعد الازدهار الكبير الذي عرفته القصيدة العربية في المدرسة الكلاسيكية، ظهرت عدة اتجاهات لمخاطبة الذات وتطويرها قصد مواكبة العصر ومستجدات الحضارة الرومانسية، وكان من أهم الاتجاهات مدرسة الديوان 1916 وجماعة المهجر 1920 وجماعة أبولو سنة 1932 حيث ظهر الخطاب الرومانسي نتيجة الاحتكاك بالثقافة الغربية، ومن أهم مرتكزاتها. 1- الذات. 2- شمولية الرؤية الفنية. 3- الصدق الفني والتأثير في المتلقي. وهذا يمد هذا النص بمجموعة من الطرحات التي تحضر المدرسة الرومانسية والمدرسة التقليدية وهذا ما يراه الناقد بأن الرومانسية هي ثورة على تقاليد والأعراف والقيم وعن الفن والأدب والمجتمع وأن من أبرز مميزات هذا الاتجاه الرومانسي التعبير المعاصر عن الفرد بذاته، مما يعكس ويعبر عمق الأحاسيس، فالشاعر هو التعبير عن الشعور الصادق، لأن الأبعاد الإيحائية الرمزية والغنائية والوجدانية جعلت الرومانسيين يخترقون مجال الصورة في كل أبعادها مستخدمين إصرار النفس في الاتجاه المطلق، لأن الشعر هو غنائي والقصيدة لحن المشاعر تختمر فن نفسية الشاعر و وجدانه، هكذا اعتمدت الرومانسية عدة مفاهيم منها:

1-الحرية: يعني الهروب من المجتمع، إلى الطبيعة والعيش بالفطرة والتحرر من المعتقدات التي تحد من حرية التعبير.

2-الحب: وهو جوهر الكون ومصدر الإلهام ومنبع الدعر والجيان.

3-الطبيعة أو الغاب: هو الملجأ الآمن من شقاء المدينة، لأن الطبيعة رمز الطهر والتقاء والصفاء.

لذا يمثل الرومانسيون هذا الطابع الرمزي من خلاله يحاول الشاعر أن يعمق مشاعره الداخلية وأحاسيسه وانفعالاته لتصوير الطبيعة.

إذن يمثل الرومانسيون (الخيال) هذا الطابع الرمزي الذي من خلاله يجاول الشاعر أن يعمق مشاعره الداخلية وأحاسيسه وانفعالاته لتصوير الطبيعة. كالشاعر محمود درويش، فهو الشاعر الذي خاطب الكون، والإنسان، والتاريخ، ومزج بين الجسد والروح، وبين القلق الوجودي وبين المحنة الإنسانية، وجعل الرغبة مدخل أولي للفرد، والجماعة، وأن الشعر شكلا من أشكال الكتابة الجديدة، لأن محمود درويش صديق الحكمة، والشعرية، وعاشق للتفلسف الشعري، وانتصار لموقفه ولفكره، فدرويش ضد عقدة الهيمنة، ونهاية التاريخ، ومحب للرحيل داخل الذاكرة والوطن، والحرية.

يتخذ المكان لدى درويش أبعاد طبوغرافية تحكمها المقاييس ويتكون من مواد مادية ورمزية، ويأخذ جذريته من خلال اللغة، فهي الأداة التي بواسطتها يخترق الشاعر المألوف، فاللغة تنسج الواقع الممكن برؤية جمالية، لأن ما يهمني في هذه المقاربة الأولى، محاولة تعريف هذا المكان الذي هو وطن الذات والأنا، حيث حالة الارتباط المشيمي، والوجودي والفكري، ويتحول الزمن ليأخذ أزمنة تاريخية وأسطورية، وتكون الذات الشاعرة ديوانا مفتوحا  قادرا أن يستوعب الشروط المعرفية والفنية، والجمالية، فالشاعر محمود درويش بنى لنا عالما غير العالم الذي نعيشه، يكتنفه الغموض، والرمز، واللغة، والغرابة، فراح يثور المفاهيم ويغير أبنية الوعي العربي وذلك عن طريق سحر اللغة، وهذا الشعر هو الهوية، والشخصية، والوطن والحرية، وكذا البنية اللاشعورية الثانوية في العقل العربي المعاصر، إنه جنة عربية ضائعة في عالم معولم، وحين يستدعي هذا المفقود بوصفه حالما ضائعا، فإن الوطن يحضر بكل أبعاده الجغرافية والتاريخية و البشرية.

وذلك عبر اختراق خيالي يستوعب كل الفضاءات المحتلة كحيفا ويافا، وجنين… التي تشكل جسد فلسطين، فالشاعر درويش يحاول أن يرحل بنا من قارة إلى قارة لتعبر عن نسق أكثر شمولا لمفاهيم الوجود لدى هذا الشاعر ذاته وللثقافة التي ينتمي إليها، وانطلاقا من هذا الشعور التركيبي والدلالي نستكشف أن يقوم بتشكيل أنساق مكانية التي تتمحور حول فلسطين بدرجة إبداعية متواترة وبصورة ملحوظة في قصائده، لأن تجربة المنفى تبقى ضرورة حتمية تصاحب هذه الذات أو تسبقه عبر الاستباق، بوصفها معاد لا شعريا لفكرة الوطن في المنفى، ففلسطين لن تموت رغم القيد والدمار، كما يقول درويش، وإذا كان المكان غربة الوجود، أو كغربة الرحيل، لأنه يمثل مخيلة تراوح بين الداخل والخارج.

إنه البنية الثاوية العميقة لمفهوم هذا المكان، حيث يتخذ هذا الفضاء مسارا خطيا لا يقتصر على محور اختياري للكلمات، بل يعتمد على النسق المكاني الضامن بفلسطين، فالنور يشكل بؤرة أو مركز يستقطبه القارئ بشكل تفصيلي، حيث يرتبط بالولادة، وبالحياة، وبالكوكب الثابت حول المركز، لأنه المفتوح والمغلق والمتسع والضيق، فينتظر الشاعر محمود درويش ظهور بشارة العودة إلى أصله، يظهر إذن هذا الممكن العودة في سياقات شعرية لتشير إلى أنغام إيقاعية ترفع أصوات الشاعر إلى أوطان التي تلاحقه في صمت نحو قرار نهائي، إذن كيف يمكن اختزال هذا الثراء الشعري؟ فلابد أن يتحدى تغوم المألوف، وعبقرية الجهال، وبلاغة الفقهاء لكي نصل إلى بر الأمان الشعري، فالشعر هو الإطار الفكري لعملية الإدراك الذاتي، بمعنى أن الشعر هو ترسانة من القيم والمعرفة، والفكر، إذن فهو يشتمل على الإنتاج الأدبي والفكري والفني، بهذا المعنى فالشاعر هو الذات، والشعر هو المجال الذي يحول الأنا العابرة إلى نظام يتسم بالتماسك من ناحية، كما يتسم بالتماس العضوي بين الداخل والخارج، لأن درجة الشاعر لا تستقيم عن طريق الموروث الشعري، بل بالخصوصية الحضارية  والصورة التي يكونها المجتمع لنفسه، فالشعر يرتبط أيضا بتحديد دور هذا المجتمع الفلسطيني، فهو أمر منوط بمثقفي الأمة الفلسطينية ودرجة وعيهم بالأنساق المشكلة لثقافتهم ومدى قدرتهم على تجاوز كل الأنماط من أجل الحضور الإبداعي.

فلا شك أن الشعر الفلسطيني قد طرح عدة أسئلة دالة على التفاعل النصي بين مكونات الذات المبدعة وبين العالم الخارجي من ناحية ثانية، فالشعر الفلسطيني هو الحقيقة المرتبطة بالقضية الفلسطينية وهذا ما ذكره في قصيدته <<مأساة النرجس وملهاة الفضة>>.

حيث يقول في هذا المقام:

                           البطل المخرج بالبدايات الطويلة

                           قل لنا كم مرة ستكون رحلتنا البداية

فالشاعر محمود درويش في هذه القصيدة، يحاول أن يوصلنا إلى البداية واللانهاية وإلى الهوية والتحديث، فالشاعر بشعره قد غزى كل الأوطان برؤية فنية دون الاندماج في دوائر الاستلاب ودون محرك جدلي بين الاستلاب الصهيوني والتغيير العربي، وهذا الوعي النقدي الذي يباشره الشاعر يدفعنا إلى النظر في الحياة اليومية بكل حرية لمواجهة البنيات الفكرية الكلية، قصد عقلنة الذات كبعد سلطوي، ولغوي، وفكري نقدي، فالشعر هو عتبة عليا التي من خلاله نعيد النظر في التاريخ وتفكيك البنيات الفكرية، لذا يقتضي منا إلى إعادة تركيب البنية الشعرية العربية.

إن ما يسمح لنا لرؤية واقعنا الشعري المعاصر، هو هذا الواقع الثقافي والفكري من أجل إعادة المكبوت التاريخي لكتابة تاريخ، جديد يثور الكائن لكي يمارس حقه في التعبير والتأويل.

فالشعر الفلسطيني هو التجلي الأسمى والمعبر عن الوجدان التاريخي والفكري، وأيضا التفكير في اللاشعور والخيال، لأن القصيدة هي البنية الثقافية المعاصرة، تتميز بوعي وبإرادة وفوة قادرة على التجاوز والتخطي، وبأسئلة التي تمس وجود الإنسان الفلسطيني، فالشاعر – محمود درويش- يطرح أسئلة زمكانية و وجودية – من نحن-كيف أنا-أنا الماضي – أنا الحاضر- أن الإنسان والفكر- والقيم – والوعي – والمعرفة- فطموح الشاعر هو امتداد انطولوجي يتحقق العودة إلى الأرض المسلوبة حيث يختزل التاريخ في الكتابة لتكون هذه الذات المقهورة والمنكسرة تحترق بالمنفى وبالاغتيال الرمزي، وبالشهادة و يقول أجد النقاد <<إن الشاعر يختار من بين أحداث التاريخ الممتد من آدم وزمن الأنبياء، ومرورا بالغزاة الذين تعاقبوا من تتار وهكسوس ويونان ورومان حتى الغزو الصهيوني، يختار الشاعر أحداثا بعينها، أو بمعنى أدق يختار صور الشعرية تحيل إلى أحداث ويوظفها لإعادة بناء الذاكرة٠>> ( إضاءة النص – اعتدال عثمان ص -151-). فالشاعر درويش يتفاعل بشكل أفقي لكي يرتبط بالفرد كذات وكجماعة، وبالتالي فإن اتصال الفرد بالآخرين ونظام علاقاته بهم يتحدد بهذا المنظور الفينومينولوجي  للاتصال كما يتحدد أيضا بالواقع الاجتماعي للأفراد، فهذا الاتصال بين الفرد والآخرين ينمو عند الشاعر من العلاقات الاتصالية والأدوار المترابطة بين الذات والمجتمع كلحمة واحدة، ويأخذ هذا النمط الشعري الاتصالي من التطور عنده أدوارا اجتماعية، ويعني ذلك أن العملية الاتصالية تتطور وتتحقق في سياق الأدوار التي يقوم بها الفرد (طلعة منصور- سيكولوجية الاتصال ص138- فالشاعر محمود درويش يبدأ برحلة مكانية  مفتوحة غير مسيجة، مما يجعله يبني قارة ابستيمية تشكل بؤرة لهذه الذاكرة في السياق التاريخي ويقول في هذا العدد:

                   يا نشيد خذ العناصر كلها

                   واصعد بنا دهرا فدهرا

                   كي نرى من سيرة الانسان ما سيعيدنا

                   من رحلة العبث الطويل إلى المكان-مكاننا

فصيغة النداء في العبث الطويل، وهذا الامتداد الزمكان هو امتداد في التاريخ وفي الحضارة، امتداد نحو الممكن دون محو الماضي، التقليدي المرتبط بالهوية، والوطن لكي يكون نعشا أمام الجيل الجديد، هكذا يرحل بنا من مكان إلى مكان، ومن مدينة إلى أخرى، ومن أسطورة إلى أسطورة ومن تاريخ إلى تاريخ، حيث يقول:<<أنت أدرى بالمكان، وقوة الأشياء فينا، أنت أدرى بالزمان>>.

فمعرفة الزمان هو معرفة التاريخ، والولادة والهوية، لأننا نعيش في عالم مليء بالتناقضات والانكسارات، فلم يعد الفلسطيني يقبل الاحتلال ولا الذل، يريد أن (اصعد ما استطعت إلى الإنسان، فأنت أدرى بالمكان، وأنت أدرى بالزمان). فالشاعر درويش يندمج مع الجماعة لكي لا يكون وسيلة، بل غاية في ذاته و لذاته، و أنه قادر على تجاوز كل المقاييس المسيجة لأجل بناء ذاتها كليانية، تنسج تاريخها، و فكرها و حضارتها ويقول<<و عادوا من أساطير الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلام، عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم، ويزوجوا أبناءهم لبناتهم.>>. فالشاعر يخبرنا برسائل معينة، تحمل معرفة وغالبا ما يستعمل هذا الشعر الإلتزامي بعبارة (جان بول سارتر) غرض الإبلاغ ولهذا فدواوين الشاعر تحدد المكان المنفي ليجعله يدل على الأخبار والسلوكات، والمشاعر، لأن الشعر هو تواصل ومحاورة وتفاعل ويقول اعتدال عثمان في هذا العدد <<إن درويش في الحقيقة، إذ يستعيد ذكريات ما هو مرتقب بحس ساخر، مدرك لطبيعة المفارقة المزدوجة بين الحدث المتصور وأشكال تحققه غير المتوقعة من ناحية ثانية، إنما يكثف إحساسا بمأساة النرجس أو مأساة الواقع>>ص155. فالشاعر محمود درويش في كل دواوينه كما ذكرت سالفا، يغاير المألوف، ويزرع الاختلاف في الإئتلاف، ويوحد بين الذات والموضوع الخارجي، بلغة شاعرية ايروسية، لا تعرف المهادنة، ولا الاستسلام، بل خلخل كل الترسبات الشعرية بوعي جدلي لا يلغي المرجع، بل يكون عبارة تناقصات مؤجلة، من هنا نستكشف أن هذا الذات الهاربة من جالوت، وفرعون، وأيولون، و من شهريار فتحت لنفسها أبوابا لكي يستقرئ هذا الواقع المأساوي، واقع يرزح تحت الاحتلال ويصرخ أمام الصخور الأممية، فمنذ سنة 1948 و 1967 لا زال الفلسطيني يكابد ويعاني من مرارة الاستعمار كما يقود خليل حاوي، لذا فالشاعر الفلسطيني-محمود درويش-لا يستسلم ولا يدعو للوئام، بل يسائل الكون والإنسان، والحرية لكي يجد لهذه الذات المؤسلبة تاريخها وهويتها، إذن هنا يكمن سحر الشعر ورسالته، لأن الشاعر لا يكون شاعرا إلا إذا أبدع، وابتكر لهذه الهوية تاريخها، و لغتها وحدودها، وأعلن عن ولادة جديدة لهذه الملحمة الفلسطينية، لا أن يبقى أسير السجون، فتحية لكل فلسطيني الذي لا يزال يحارب القهر، والفقر، وينتظر أن يأتي كودو أو لا يأتي، يريد أن يعيش حرا لا أسيرا ولا مقيدا، أن يبني دولته كما يراها لا كما هي الآن، فمحمود درويش يصخر في وجه المرأة، عارضا براعته الفكرية والنظمية لكي يكون ضد هولاكو، وإنه سيزيف العربي الذي لا يلوك أطياف الذكريات، بل يصرخ في وجه المحتل بالكلمة، وبالقلم، وبالذات قائل: إنه منتصب هنا، لا يخشى الموت، يبعث بالفينيق، لا يركع للظالم، يصلي في محراب مريم، ينشد شعرا لنا لكي يكون قانونا لهذا الفلسطيني الذي يواجه العدو لا يستسلم للذل والهوان، بل يحمل صخور الأيام لكي يحاسب الذاكرة الأممية، هكذا هو الإنسان الفلسطيني العاشق للحرية، لا يقبل الاعتراف بالخطيئة، ولا بالمصالحة الامبريالية، بل يقبل أن يعيش فوق أرضه، وتاريخه، لا أن ينتظر من ذاك الأمريكي أن يبني له بيتا من القش، يموت ويحيا في وطنه، و تحية لكل قلم طائر في سماء الحرية ولكل فلسطيني حالم وثائر ورجل في سفر يترنح وهو يتوج امرأة بضفائرها ويعانقها ويقول لها يا ضوء الحب، ويا لغة يستولد منها وبها ولها هذا الطفل المذكور هو عبد الوهاب البياتي، فالشاعر محمود درويش يحارب كل البنى الذهنية المفارقة، وهذا القصور المغلق حيث يقول: – وعادوا من أساطير الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلام.

-لم يرفعوا من بعد أيديهم ولا راياتهم للمعجزات إذا أرادوا وهذا ما نراه في دواوينه: أوراق الزيتون.

وعاشق من فلسطين، وآخر الليل، وأحبك أو لا أحبك – أعراس، فهذه الدواوين تختلف حسب اختلاف المواقع والمضامين، سواء من ناحية البناء الفني أو الجمالي، لأن الشاعر درويش تفنن في اختيار التيمات لتكون اعلانا صارخا أمام المحتل ولتكون كونا وفضاءا تجمع أطراف القراءات الشعرية، والنقدية، ووصلة ايديولوجية لمحاكمة الواقع والأحلام، فلم يقتصر على التيمات، بل اعتمد على بنية موسيقية كصيغ متناظرة، تحمل في طياتها التوتر و التماثل الصوتي كما يقول:

                                 ستمطر هذا النهار

                                 ستمطر هذا النهار رصاصا

                                 ستمطر هذا النهار.

وهذا التكرار يجعلنا نستنشق وظيفة موسيقية تحمل دلالات تختلف عن الصيغ الإيقاعية الأخرى حيث يقول:

                                 أيها الذاهبون       مروا على جسدي

                                 أيها العابرون على جسدي

                                 لن تمروا.

تصبح الذات هي محرق العمل الفني، على حين يخفف الضوء المسلط على الحدث العاكس لأشكال الهيمنة السلطوية في الواقع فالشاعر إذن يحاول أن يحاكم هذا الواقع العربي برؤية شاعرية، وبلغة انزياحيه، لأنه لا يرى في هذا الواقع العربي إلا الخضوع والخضوع، لذا يحاول مرارا أن يخاطب الذاكرة، والشعور، لتأسيس هذه الأنا الواعية، والحاملة لأوراق الزيتون، تنتظر من يجني ثمارها، ويتلذذ بحلاوتها، هكذا كان ولا يزال شعره عبارة عن بندقية مفتوحة قابلة للاغتيال، وللتمرد، وللتحرر، ومهما يكن فالشاعر محمود درويش غاير المألوف، وخلق قارة شعرية فلسطينية ضمن القارات الإنسانية، فوسع مداركها، وأبدع تاريخها، وذاكرتها، جاعلا من الشعر عبارة عن عقلانية جديدة لا تخاطب الميت بل تخاطب أهل الذكر وأهل المعرفة. فالشاعر في أشعاره استخدم مجموعة من الرموز والأساطير وبرؤية انزياحي، لأن وجود الآخر المهيمن يؤثر دوما على وجود الأنا، لأن المستعمر يفرغ هذه الأرض، والذاكرة، والإنسان من كينونته، وتفقد صورتها، لذا تعتبر أن حركة الشعر المعاصر ظاهرة حضارية ناشئة عن رد فعل الذي يحدث في المجتمعات عقب النكبات الكبرى، فشعر درويش ثمرة جهود متواصلة لجيل من الشعراء الذين شربوا من كأس النكسة، ومن التطبيع أيضا، فقناعة الشاعر المعاصر لا يكتمل إلا بمساءلة السلطة، والدولة، والكون والأمم المتحدة، والشعوب المتكلسة.

إذن ما موقع الشعر في النضال السياسي العربي؟ وهل انتهى عصر التاريخ كما يرى فوكو ياما؟ أم آن الأوان لإعادة المياه إلى منبعها الأصلي، وتحية لكل شاعر وأسير. الذي لا زال يكابد المرارة والحزن، ولا يلوك أطياف الذكريات بل يستشرف نحو فلسطين جديدة، لها أصالتها وأناقتها وتاريخها، ينادي بالتحرر من الاستعمار وتجاوز الانحطاط، والجمود وبذلك برزت حركة أدبية موازية تمثلت في إحياء النموذج المواطن  حسب درويش في الشعر العربي يحتاج إلى تساؤلات عن مواطن، والانحطاط الفني، والحكم على الذوق العربي، فهذه الوقفة هي التي وقفها شعراء الحداثة من حيث الشعر وامداده برجالته، وقوته من حيث اللغة، والأسلوب، والتصوير، والبناء أي بالعودة لديناميته، وديباحيته مع مراعاة متطلبات العصر في أبعاده القومية، والوطنية والثقافية مطالبة فإحياء الذات، وتطور الواقع والعصر. لذا أصبحت القصيدة عنده تعبر عن قضايا الواقع الفلسطيني بأساليب في إطار علاقة جدلية (المحافظة والتجديد) يعتبر رائدا من رواد الشعر المعاصر فإليه يرجع الفضل في تلخيص الشعر من الجمود والضعف حيث استفاد من تجربة المنفى، وكذا من الشخصية الوطنية والشعرية، الفلسطينية والعالمية.

وخلاصة القول فدواوين محمود درويش حاورت من الواقع المناطق الأكثر جراحا عبر عدسة ملونة بالغة التأثير في المحتل، فشعره هو ولادة جديدة، وهوية قديمة تندرج ضمن شبكة من العلاقات الفنية والسيمنتيكية، والدلالية، كل هذا هو تحويل العالم الشعري الاعتيادي إلى عالم دلالي وإيقاعي غير اعتيادي كما يقول جون كوهن في كتابة بنية اللغة الشعرية ص-133-.

المراجع المعتمدة:

  1. كمال أبو ديب- الحداثة – السلطة-النص- مجلة فصول م4_ سنة1984
  2. محمد الجابري الخطاب العربي_ المركز الثقافي العربي_ الدار البيضاء. دار الطليعة_ بيروت ص 9_10.
  3. اعتدال عثمان_ إضاءة النص_ الهيئة المصرية العامة_1998 ص97_127
  4. جابر عصفور أقنعة الشعر، فصول العدد أقنعة الشعر، فصول العدد 4_1981 ص148.
  5. محمود درويش- معين سييسو يجلس على مقعد الغياب_ الكرمل 11-1984ص9.
  6. إلياس خوري_ دراسات في نقد الشعر_ دار ابن رشد- بيروت1979 ص 118.
  7. رتا عوض- شؤون فلسطينية العدد رقم 35- سبتمبر- 1973 ص 88.

*مختبر اللغة والفكر- فاس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *