كورونا وبداية تاريخ جديد

الوطن 24/ بقلم: الأستاذ حسن حلحول

الأستاذ حسن حلحول

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى الذي كان الانتصارفيه للحلفاء بقيادة أمريكا،و في خضم هذه الحرب انتصرت الثورة البلشفية في روسيا، وكانت أول دولة شيوعية ظهرت في الوجود بقيادة لينين على مسرح السياسة الدولية لتلعب دور بارز في تحقيق توازن القوة، و قد اكتملت معالمها بعد الحرب العالمية الثانية، نظرا لدورالطلائعي الذي لعبه الاتحاد السوفياتي في هذه الحرب والذي يعد من الاسباب الرئيسية  في إيقاع الهزيمة بألمانيا، قد تم قثل أكثر من 20 مليون روسي، ومن نتائج الحرب وأد عصمة الأمم، وبدأت القوى المنتصرة النظر في أحداث منظمة الأمم المتحدة على انقاض هذه الأخيرة، على أساس قواعد لعبة سياسية جديدة، لتحقيق التوازن بين الأطراف الأقوياء وهي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي.

العدو الأحمر:

إن مخرجات التي خرج بها العالم بعد الحرب ونتائجها، هي تقسيم العالم إلى المعسكرالرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكرالإشتراكي (الشيوعي) وبرزت الثنائية القطبية، وإمتد نفوذ الإتحاد السوفياتي إلى ألمانيا الشرقية حدودها جدار برلين، وإلى أوروبا الشرقية بأكملها، وسمي بالمعسكر الشرقي إشتراكي وبالمقابل المعسكرالغربي رأسمالي.

وكان من تجلياته  بروزالحلف الأطلسي مقابل الحلف الناتو، وهذا ما أدى إلى صراع و تدافع لا مثيل له في تاريخ البشرية بين القوتين العظيمتين وذلك للسيطرة على العالم سياسيا وإقتصاديا وثقافيا، والذي نتج وتمخض في هذا الصراع الحرب الباردة وعرفت ذروتها في السباق للتسلح الأرضي منه والفضائي، فشغل العالم كثيرا وبات الإنسان يصبح ويمسي على أخبارها التي أحدثت ضجة في العالم.

سمي هذا الصراع بالحرب الباردة، لأنه لم يستعمل فيها السلاح، وإنما يكتفي الطرفين بالتهديد كما وقع في بداية الستينيات من كوبا وبقيت منحصرة في مجال ومستوى الإيديولوجي والإقتصادي والعسكري والسياسي والفكري والرياضي، دامت هذه الحرب منذ سنة 1947 إلى 1989 وهوإنهيار جدار برلين وفي  1991 إنهارالإتحاد السوفياتي الذي فكك إلى عدة دول.

فيمكن تقسيم زمن الحرب إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: من 1947 إلى 1953 و بعد وفاة جزيف ستالين الذي قاد الإتحاد السوفياتي بقبضة من حديد بعد صراعه مع التروتسكي، سميت هذه المرحلة بالحرب الزمان الأولى.

المرحلة الثانية:  تبتدئ من 1953 إلى 1975 سميت بمرحلة التعايش السلمي.

المرحلة الثالثة: تبتدئ من سنة 1975 إلى سنة 1991 وهي الأخيرة لأنه تم إعلان من قبل غوربتشوف بانهيار الإتحاد السوفياتي.

إنه من خلال إستقرائنا لهذه الأحداث التاريخية نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية استعملت ورقة العدو الأحمر خلال مراحل الحرب الباردة، متخذة هذا الصراع مبررا ووسيلة لتحكم قبضتها على العالم، وبالفعل نجحت في ذلك قرابة عقود، وكان من الثمار التي جنتها هي صعود الدولارالأمريكي ليتربع على كرسي الحكم على العملات في العالم ومن ثم التحكم في الإقتصاد العالمي.

في هذه المرحلة ظهرت دراسات في العلوم الإجتماعية والإنسانية خلقت نقاشا وجدالا كبيرا في أوساط المثقفين مثل كتاب “نهاية التاريخ” لمؤلفه فوكوياما الذي اعتبر أن الصراع حسم لفائدة النظام الرأسمالي وهو خاتم الأنظمة ولن يكون هناك نظام سيسود ويسيطر على العالم سواه مما جعله يعتبر ذلك هونهاية التاريخ.

وحتى تبقى القيادة لأمريكا لريادة العالم و قيادته يجب أن يكون هناك عدو مفترض لتجمع العالم حولها، كما فعلت مع العدو الأحمر، وتكون هي الآمروالناهي فيه، وبدأت رؤيا جديدة تلوح في الأفق، روجت لها الولايات المتحدة الأمريكية فانتظرالجميع ظهورهذا العدو، ومن يكن، فكان اللباس الذي لبسوه لهذا العدوهو لباس الأخضر، كناية على أن العدو، هو الإسلام المتمثل في التيارات الجهادية.

العدو الاخضر:

إن الجميع يعلم أن تنظيم القاعدة ظهرفي أفغانستان في سنة 1987 على انقاض “المجاهدين” الذين جندوا من كل الجنسيات و قادها عبدالله عزام لمحاربة الإتحاد السوفياتي ومن المصادر تفيد أن الولايات المتحدة الأمريكية دعمت هذا التنظيم الذي قاده أسامة بن لادن بالمال والسلاح لإيقاع الهزيمة بالسوفيات.

وفي 11 سبتمبر 2001 هجمت القاعدة البرجين في أمريكا بواسطة طائرتين، نتج عن الهجوم انهيارهما وهي سابقة في التاريخ، فأعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش لابن حربا ضروس على التيارات الإسلامية باعتبارها منظمات إرهابية سميت الحرب على الإرهاب وظهرت في قاموس العلوم السياسية مصطلحات جديدة كالمقاتل العدو، فألزم العالم أن ينخرط في محاربتها، وقال معنا أو ضدنا، وكانت هي الورقة التي ثم توظيفها لالتفاف العالم حولها وشغل جميع الدول بهذا العدو مثلما فعل مع العدو الأحمر.

وبعد حرب طويلة الأمد قتل اسامة بن لادن وأفل هذا التنظيم، وظهر إلى الوجود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

في سنة 2014 والمختزل في إسم داعش على أنقاض تنظيم  القاعدة في العراق الذي تزعمه الزرقاوي الذي بدوره لقى حتفه على يد الأمريكين، ومن ثم تم الإعلان عن الدولة الإسلامية بعد السيطرة على الموصل في العراق سنة 2017، وبعد مقتل أبو بكرالبغدادي تراجعت داعش و حوصرت ولم يعد لها أي تأثير في العالم.

العدو الأصفر:

بعد قضاء أمريكا على العدو الأخضرفي جميع أشكاله وإنتهاء ذلك بالفوضى الذي خلقها الربيع  العربي في الدول العربية، ماذا بقي الآن لأمريكا حتى تتصارع معه ويكون عدوا لها، هي العدو الأصفر كناية على الصين غير أن الصراع مع هذا الأخير يختلف كلية مع الصراع الذي دار بينها وبين العدو الأحمر كما يختلف جدريا مع الصراع الذي دار مع العدو الأخضر.

فإذا كانت الحرب مع العدو الأحمر دبلوماسية وسياسية، فإن الحرب مع العدو الأخضر كانت تدميرية استعملت فيه جميع أنواع الأسلحة، أما الحرب  مع العدو الأصفر فتظهر إرهاصاتها أنها تجارية محضة، فلا مجال لإستعمال القوة، أو إستعراض العضلات المتمثلة في الأسلحة بشتى أنواعها، تجاه الصين لأنها ليست دولة ضعيفة، فإن لها من الإمكانيات العسكرية تضاهي التي لدى أمريكا، كما لها إمكانيات هائلة في جميع المجالات التقينية والتكنولوجية، والبشرية والمالية و الإقتصادية فيظهر أنها الدولة الوحيدة في العالم التي تملك مقومات منافسة أمريكا وفي مقدورها إزاحتها من الأسواق العالمية، ويظهر ذلك أن أمريكا دائما تعارض انضمام الصين إلى المنظمة التجارية العالمية.

كما حاصرت هاتف هواوي الذي إلى الجيل السادس ذات تقنية عالية، فإن هذا الحصارالتجاري الذي تحاول فرضه على الصين ينبئ على أن الحرب القادمة هي حرب تجارية قد تتحول في أي وقت إلى حرب عسكرية في حالة ما إذا اشتد الحصارعلى الصين، فمن خلال ما تعرفه الصين من حركية و سرعة أنشطتها التجارية، وقدرة شركائها بالتحرك بسرعة في اكتساح الأسواق العالمية، جعلت الولايات المتحدة تتخوف منها مما دفع الرئيس الأمريكي دونال ترامب، إتخاد مجموعة من القرارات بفرض العقوبات التجارية واتخذ الصين عقوبات مماثلة كرد فعل الند بالند، فتابدلوا الإتهامات بينهما حول وباء كورونا مما جعلهم يدخلون في حرب باردة جديدة مما ينبئ ببداية كتابة التاريخ المعاصر أو الجديد تكون بذلك نظرية  نهاية التاريخ لفوكوياما باطلة يفندها تاريخ ما بعد كورونا، يظهر أن الكيفية الذي عالجت وجابهت بها الصين وباء كورونا يجعلها تحتل مرتبة ريادية في العالم وما قدمته للعالم من مساعدات طبية وخبراتية، وتراجعت الولايات المتحدة عن القيام  بهذا الدورالذي من المفروض القيام به، تكون الصين بذلك قد سحبت البساط من تحت اقدام الولايات المتحدة بالرغم من الحرب التجارية التي تفرضها عليها. كما أن الصين حضت باحترام واسع من قبل المتتبعين والعالم باسره عندما اهتمت بالانسان الصيني قبل كل شيء وفضلت حياة الناس على التجارة في الوقت الذي مازالت الولايات المتحدة تهتم بالتجارة والمال والإقتصاد بدلا من الإهتمام بحياة الناس، إنه تاريخ 2020 هو بداية ظهورنظام عالمي جديد قوامه النزعة الإنسانية والقطيعة مع الفردانية والغطرسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *