“كيف يبني الغرب قواعد سيرته في جوف المستضعفين؟؟؟…”

الوطن24/ بقلم: الكاتب والباحث بوقنطار محمد 

لا زلت أذكر وأنا صغير تحتضنني كراسي دور السينما الفاقعة الاحمرار، أحسب أنني أمام ترفيه بريء، أقعد أمام شاشتها مسحور العين، مسترهب الفؤاد، أتلقى وأتجرّع، ويُصب في وجداني وذهني وفؤادي مُبكرا مقصود ومراد المخرج الهوليودي، مقصود تصدير انطباع وتأسيس تصوّر، أتلقاه في لهو وسرور لتهضمه معدتي العاطفية فتحوِّله وتُصًيِّره قيْتًا من أخلاط المحبة المتجانسة الصادقة لذلك الرجل الأبيض الأشقر الوسيم، الذي يدافع عن نهضة أمته، ويذوذ عن حياض تطوّرها الصناعي والعلمي في تفانٍ وإخلاص ويحمي ثغورها المادية والمعرفية من تربص ذلك الرجل الهندي الأحمر البدائي المتجرد من لباسه اللهم خرقة تستر سوءته المُغلّظة، العاري في استبشاع طافح من مظهره، وقد كنت بمعيّة جيلنا المخدوع، المدلّس عليه، ننبز الرجل فنسميه “بوريشة”، لقد كنت تراني في ذلك الغاسق السينمائي وقد وقب شرّه فاستوعب الفضاء، ظلمات بعضها مركوم فوق بعض، لا تكاد ترى المحاذي لجلستك، وكأن صاحب الدور أرادنا أن نواجه موقف تلقي اللقاح أشتاتا يأكل ذئب الإخراج القصية من قطيعنا الساذج، ترانا نشير على الجندي الأمريكي وهو يبحث في الأدغال إلى مكان اختباء ذلك الرجل الصلف القاسي المشاعر والقَسمات، ليقتله ببندقيته المتطوِّرة ذات الزناد الأتوماتيكي والشكل المبهر، فنتنفس الصُعداء ويعلو المكاء وتشتد حرارة التصدية، ثم نستريح على كراسينا فلا نكاد نُغبن مقابل ما دفعناه من ثمن بخس، وقد خرجنا مرتاحين فرحين مستبشرين ببشرى نهاية الفيلم الهوليودي الموقعة الذيل بقضاء وانتصار قوى الخير ودحضها لقوى الشر.
ويتكرر منا عين الموقف ومثيل المتابعة ونفس الإحساس المستبلد المستسذج، ونحن أشتاتا نتابع فيلما آخر تحكي تفاصيله عن مكافحة جنود البحرية الأمريكية الذين يتمتعون بكل صفات الشجاعة والمروءة والشهامة والجمال، لإرهاب ثلة من أشرار دولة الفيتنام وبغاتهم ـ ولربما كانوا خوارج بمنطق أغبياء المدخلية المقيتة ـ أشرار يريدون النيل برصاصهم الإرهابي الآثم من ذلك الجندي الجميل الوديع اللطيف ونعني به جندي المارينز الأمريكي، والذي حلّ ببلادهم لإقامة العدل وتحديث البلاد وإنقاذ العباد وتحريرهم من استبداد الشيوعية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *