مع الريسوني والتوحيد في بلده المغرب؟؟؟

الدكتور محمد وراضي 

يجري الحديث عندنا عن السلفية والسلفيين، لا بخصوص كل ما له صلة بممارسات الإنسان المغربي منذ أقدم العصور. إذ السلفية لا تعني فقط كل ما له صلة بالدين، وتحديدا ما له صلة بالفقه وأصوله، وما له صلة بالحديث ومصادره ومدلولاته، وما له صلة بأصول الفقه التي هي في حد ذاتها موضوعات، قد يغوص في تشعباتها صاحب “مقاصد الشريعة” قبل غيره.

وليس غريبا إن نحن طالبنا علماءنا بالانكباب في الدين على ما تمت الإساءة إليه، وبعلم من الحكومات المتعاقبة في بلدنا منذ الاستقلال، إلى حد أن بعض الوظائف الحكومية تولاها علماء بارزون، مثل الراحلين: المختار السوسي، وعلال الفاسي، حيث إنه كان على هؤلاء أن لا يقبلوا أي منصب حكومي والفكر الظلامي الديني يجري العمل رسميا به؟ وبصريح العبارة: كيف يتم غض البصر عن التوحيد الخالص، والحال أن تشويهه وتحريفه يجري بهما العمل؟ وادعاء السلفية الرعناء يتم فضحه في الأقوال والأفعال، ومن ضمن الفكر الصوفي الذي تحدث عنه ابن عاشر، صاحب “المرشد المعين على الضروري من علوم الدين” قوله محددا موضوعات منظومته:

وبعد فالعون من الله المجيـــد             في نظم أبيات للأمي تفيد

في عقد الأشعري وفقه مالك             وفي طريقة الجنيد السالك

وما ادعاه الناظم، سلم به علماؤنا للأسف الشديد؟ ومن ضمنهم من أصبح قائدا لعلماء المسلمين في العالم؟ إلا أن ما سلم به غيرنا هو بالنسبة إلينا كذب صريح وبهتان مفضوح؟ فمالك قيد حياته خصم عنيد لما عرف حتى الآن بالتصوف، إلى حد أنه يقول: “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا”. وقال: “من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا ص قد خان الرسالة”. وقال منشدا رحمه الله:

وخير أمور الدين ما كان سنة          وشر الأمور المحدثات البدائع

ومغربنا – تقريبا – منذ انقضاء دولة المرابطين، اندمج البدعي في السني، واندمج السني في البدعي، وأصبح الحكام إلى جانب البدعي يناصرونه، وينتصرون به في علاقتهم المشبوهة بأهله وبمناصريه الكذابين الأفاكين، حتى إذا ما تقوى هذا البدعي في بعض الجهات، واجهته سلطات وقتها بأقسى ما تملكه من قوة مادية. ومع ذلك طالما رافقته وقبلت به، وامتدحت الحضور في مناسبات يقيمها أهله، حيث إنه تم تقديس الأحياء منهم والأموات، وحيث ارتبط بهم أحياء وأمواتا ما يعرف بالكرامات، إلى حد أنهم أصبحوا أطباء، وأقيمت لأمواتهم المواسم، وحرص الحكام على الحضور فيها، وعلى إكرام المشرفين عليها بالأعطيات والولائم الفاخرة.

والغريب في الأمر أن الحديث عن التجديد والثورة على القديم، لا تكف وسائل أهل اليمين وأهل اليسار عن الإشادة بهما والدعوة إليهما. ولكن الفكر الظلامي بالتحديد، يظل كما هو، إلى حد أن القناة المغربية الأولى، لا تخجل من تضليل الرأي العام والخاص، حين تقدم أشرطة عن موسم يقام على أعتاب ضريح فلان مجهول الهوية لدى الكثيرين؟ أو يقام في قمة جبل يتم الادعاء بأن مكان إقامته يحوي جثامين 44 وليا، دون أن نقف أمام ضريح أي واحد منهم على الإطلاق. ودون أن يتم اتحاد علماء الأمة لاستنكار هذه الأفكار الرجعية التي لا دور لها في التقدم العلمي والصناعي والاقتصادي للأمة المغربية؟؟؟

ودون أن يتحرك حتى قبل الريسوني من يعتبرون من قادة الإسلام الديني والسياسي في مغرب اليوم. فالمختار السوسي، وعلال الفاسي وغيرهما، سلموا بواقع ما بعد الاستعمار على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والخلقي الذي أدرك اليوم قمة سفالته.

وإن نحن وجهنا إلى المتخصص في “مقاصد الشريعة” وإلى من يساند أطروحاته وتحركاته الدينية والسياسية هذا السؤال: هل محمد المختار السوسي سلفي المعتقد، وأنه فعلا بريء من كل ما يمت إلى غير السلفية بصلة؟ فسوف يزعم أنه فعلا سلفي وأنه مناصر للسنة لا للبدعة؟ وهذا ما ادعاه بعظمة لسانه، لكنه في قرارة نفسه على عكس ما ادعاه، أو هو إن شئنا جاهل لمفهوم السنة؟ فما علينا غير استماع ما ادعاه، ثم نقوم بتكذيبه بنفس لسانه، لنصرح بأن الرجل واقع في خطأ جسيم، وأن كل عالم مغربي سوف يقف على زلات المختار السوسي التي سكت عنها، وإن وقف عن فضح زلاته، فهو في الواقع علماني مسلم بوجاهة تعاملدولة المغرب مع الفكر الظلامي الديني؟

يقول المختار السوسي القح في كتابه عن والده “الترياق المداوي”: “وبعد، فإنني أنا مؤلف هذا الكتاب، مبدئي هو مبدأ السلفية، وأنا أعلن ذلك، وأوقن أن الدين الخالص هو ما كان عليه السلف الصالح، وما لم يكن ذلك اليوم دينا، فلا يكون اليوم دينا، وأعرف أن التصوف الذي مدلوله الإخلاص في العمل بالعلم الصحيح هو الحق الذي لا غبار عليه“، وأن السنة سنة، وهي ما صح عن الرسول، وإن تمالأ الناس على تركها، وأن البدعة بدعة، وهي ما لم يثبت عن الرسول، وإن تمالأ الناس على اعتناقها، فهذه عقيدتي، وعلى هذا أحيا وعليه أموت”.

ونص المختار السوسي هذا الذي عرف فيه السنة وعرف فيه البدعة، لكنه لم يعرف فيه التصوف، هذا المصطلح الذي له أزيد من ألفي تعريف. فقوله: إن مدلول التصوف هو “الإخلاص في العمل بالعلم الصحيح هو الحق الذي لا غبار عليه”. مما يعني في نظرنا أن جميع العلماء المخلصين للدين والعمل به، هم صوفيون، لكن أحمد زروق صاحب كتاب “قواعد التصوف” يقول: “وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين”؟؟؟

وبين يدي مؤلفات في التصوف للمؤيدين له وللمعارضين، مما يعني أن تعاريف التصوف التي نقف عليها تلغي بجرة قلم ما ادعاه محمد المختار السوسي، بل يلغيه ما ادعاه لوالده في أكثر من أثر صوفي له، ففي الكتاب المذكور قبله، نقصد “الترياق المداوي” تحدث عن 50 كرامة لوالده، وأشبعه لأجلها مدحا وإطراء إلى حد أن عنوان الكتاب ذاته إطراء له لا حد له ولا حصر، فوالده وفتوحاته الصوفية، يوصف بكونه الدواء الشافي، تعلق الأمر بما هو نظري في الدين أو تعلق بما هو عملي فيه. فسيدي الحاج علي السوسي الدرقاوي – على حد تعبير ابنه المختار – يرى النبي ص في اليقظة؟ وبإمكانه الوجود في كل مكان؟ والظهور في أكثر من مكان في وقت واحد؟ وبإمكانه الدخول إلى بيوت مريديه ليفاجئ بعضهم يمارس ما حرمه الله؟ أو يمارس ما يعتبر مخالفالضوابط العلاقة بينه وبين شيخه. فضلا عن كون والده يحيي الموتى؟؟؟ دون أن يتناول السيد المختار السلفي كل هذه المخالفات الدنيئة البعيدة عن الدين الحق بالنقد والتجريح، وهو الذي حدد مفهوم التصوف في النص الذي قدمناه.

ومن الخرافات والأضاليل التي كتبها السلفي المزعوم محمد المختار السوسي، امتداحا لوالده ولكراماته قوله متحدثا عن أولها: “أخذ عنه إنسان من إداوزيكي، وكان من المجان، فعزم أن يعاود ما كان يألفه، فاختلى بأجنبية، وهم بها والمصباح يضيء، إذا بالشيخ معه في وسط البيت، فقال له: ماذا تصنع؟ فأهوى الشيخ بيده إلى المصباح فأطفأه. فصار الرجل خجلا هنيهة ثم استفاق فأخرج عنه المرأة، فلم يرها من ذلك النهار”.

وكأن الراحل لا يوصف بكونه من علماء سوس المرموقين، لأنه متى وصف بهذا الوصف الحسن، ما غاب عليه قوله سبحانه: “لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها”. وهذا التصرف من والد المختار شائع ككرامة لدى الموصوفين بكونهم من كبار شيوخ الطرق الصوفية. فكان أن تم تقديسهم وهم أحياء، وتقديسهم وهم أموات؟ فأين إذن سلفية المختار وسلفية علمائنا المعاصرين وفي مقدمتهم أحمد الريسوني الذي هو رأس العلماء في العالم الإسلامي؟

فكان أن اختلط الابتداع النظري بالابتداع العملي لدى الطرقيين المتصوفين على حد ما يزعمون؟ فقراءة القرآن جماعة بدعة لدى مالك، ومثله الذكر الجماعي، فكيف إذا تحول إلى عمارة أو إلى حضرة، أو إلى أذكار مبتدعة، وإلى أشعار غاية في الزندقة كماعند البوصيري وغيره؟؟؟

الدكتور محمد وراضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *