من تبديع المولد النبوي الى الاحتفال بالهالوين شيوخ السلفية بين مرحلتين

الوطن24/ الباحث بدر الجنيدي 

قبل الشروع في الموضوع،أود لفت انتباه القارئ الكريم لمسألة مهمة جدا، أنه ليس غرضي التشفي في مشايخ السلفية الوهابية و مآل دعوتهم في ظل الظروف الحالية،و لكن غايتي التي أرجو من الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم، هي قراءة مآلات الفكر المتشدد المنغلق الأحادي و الإقصائي،و كيف يمكن الاستفادة من هذه التجربة لإنجاح الدعوات الاصلاحية.
لا أظن أن أي باحث في تاريخ الدعوات الاصلاحية سينكر أهمية الدعوة الوهابية في إيقاظ جل الحركات التي تلتها في ربوع العالم الإسلامي،و ذلك برفعها لشعار فهم الاسلام بفهم السلف الصالح و تطهيره من البدع و الخرافات،لكن سرعان ما تحول هذا الشعار لبرنامج سياسي زعزع هيبة الخلافة العثمانية و أزاحها عن جزيرة العرب،و تأسيس ما عرف بعد ذلك بالدولة السعودية التي تجاورت فيها السلطة السياسية مع المذهب الديني،فخدمته خدمة جليلة بنشره و توسيع مجاله،و ليس الخطأ في ركون الدولة إلى مذهب تتبناه و تنظم به حياة مواطنيها و تحفظ أمنهم الروحي، و لكن الخطر كل الخطر حين يتحول هذا الاختيار لايديولوجيا تحاول تنميط حياة الناس،و ضبط أنفاسهم و سد مجالات التعبير و النقاش و الاختلاف أمامهم،و ذلك في نظري يرجع للمقولات التأسيسية التي قامت عليها السلفية الوهابية،و التي ضمت في طياتها بذور فنائها.
فمقولة الفرقة الناجية:و التي نشأت بتعصب السلفيين لمدرسة أهل الحديث دون غيرها في باب العقائد،يسرت في نظري خلق نوع من الاعتداد و التميز و الاستعلاء على جميع المدارس الاسلامية،لتصنف هذه الأخيرة في خانة المبتدعة تنزلا أو في خانة المارقين من الاسلام.
المقولة الثانية و التي فتحت بابا للتنقيص من المذاهب الاسلامية و تجاوزها و اعتبارها أقوالا للرجال يغني عليها كتاب الله عز و جل و سنة رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم ،في تجاهل تام لكونها مناهج لقراءة النص الديني و تنزيله مما أحدث فوضى في دائرة الافتاء و العلم الشرعي و أقصد هنا مقولة فهم السلف.
المقولة الثالثة :البدعة،فمن المؤاخذات على هذه المدرسة غلوها في التبديع دفاعا في نظرها عن حياض السنة المشرفة،لكن هذا الغلو أسهم في شق الصف الاسلامي و الاصطدام مع البيئات و العادات و الأعراف المجتمعية و التي غالبها أسس من طرف فقهاء و علماء ينطلقون من فهوم أخرى لمصطلح البدعة، و أتى ابتداع هذه الأمور في سياقات مراعاة المصلحة كالحفاظ على الهوية الاسلامية بالاحتفال بالمولد النبوي و تشجيع على الاجتماع حول القرآن و تلاوته و حفظه كالقراءة الجماعية و غيرها مما شنت عليه الوهابية طوال قيامها حربا هوجاء متجاوزة لكونه وضعت لغايات حفظ الهوية و الشخصية المسلمة،و التي لا تسطيع الوهابية اليوم خوض غمار الدفاع عليها .
إن ما سبق ذكره،و الذي صادف وهن في المذهبية عموما و ما ران عليها من تعصب و تقليد، إلى جوار ما وقعت فيه الصوفية من بدع و خرافات و عمالة بوعي أو بدون وعي،إضافة إلى الدعم السياسي و المالي و الاعلامي ،مكن للوهابية،و سمح لها بجذب جمهور واسع و تقديم نفسها كممثل للاسلام السني على الأقل .فكانت هذه المرحلة الأولى:مرحلة الأوج و الانتشار
المرحلة الثانية:
بعد مرحلة الأوج و الانتشار و التوظيف السياسي الذي خدم الغرب،و أنتج حركات قتالية شوهت صورة الاسلام في العالم،أتت مرحلة الانحدار.
فالمذهب الذي تقوى بالسياسي،و لم يؤسس لنفسه مكانا و أرضية بين التوجهات الاسلامية و كذا في نفوس الناس،صاما آذانه على الاصلاح الداخلي من بعض فضلائه،و كذا عن الحوار الاسلامي الاسلامي، زيادة إلى قدرته على شيطنة جميع العاملين في الدعوة،أصبح اليوم يعيش أزمة خانقة بتحول حسابات السلطة،و كأن قدر المذاهب الفكرية التي تحاول فرض نفسها على الناس بقوة السلطة ،فأصحاب الامام المضطهد أحمد رحمه الله بالأمس،يشربون من كأس المعتزلة بعد زوال المأمون.
و لكن الخطير في هذه النكسة التي بدأت بوادرها من منذ ظهور فتاوى السماح للمرأة بالسياقة و غيرها ،مما اعتبر تطورا في البيئة السعودية ، إلا أن القتاوى التي مهدت لهذا التغيير لم تصدر بناء على نقاش علمي رصين،أو استنادا لقواعد الشرع،و لكنها كانت استجابة لرأي الحاكم،مما فتح باب بلبلة أذهان الناس و تشويش تصورهم و تقديرهم لمقام الفتوى و المفتي،بتصييرها أداة تعبر عن رغبة شخصية للحاكم و ميولات السلطة،عوض كونها توقيعا عن رب العالمين.
مع الاشارة أن سرعة الانحدار الذي نلحظه جميعا ،في جانب منه ،يرجع إلى إلجام الفاعل السياسي للأصوات المعارضة من مختلف التيارات العاملة على الساحة،و لكن هذا الالجام لا يمنع من كون السلفية الوهابية فشلت في توطين نفسها كمنهج تربوي يأخذ مشروعيته من الأمة عوض النيل من رموزها و مناهجها الأصولية و الكلامية و السلوكية،مما يمنح حق القول أن نمط التدين الوهابي و خنقه و كتمه لأنفاس الناس كان كفيلا باسقاطه فور نفض السلطة يدها منه.
و في نظري أن أتباع هذه المدرسة لو استطاعوا بناء فضاء حر تتسالم فيه الفصائل الاسلامية على الأقل،و يسلم أهل الفكر من كل التيارات و المرجعيات على أنفسهم و أفكارهم،لكان بوسع الناس الاختيار و آنذاك ربما شاهدنا سيناريو آخر.
و بالعودة للتاريخ القريب فالتجربة السوفياتية مثلا و التي نصبت الشيوعية بقوة السلاح و المال،و حشرت أنفها في خيارات الناس و طريقة عيشهم انفض الناس عنها فور سقوطها،و التاريخ يطفح بالنماذج المشابهة لذلك فالوعي بالسنن التاريخية ينفع في هذا الباب.
و هنا أتوجه بنصيحة لأتباع هذه المدرسة إذ حق لي النصح،أن هناك ما يشبه سنة كونية أشار لها القرآن العظيم في آياته كون الدعوات و إن كانت على حق تفتح الباب دائما أمام مخالفيها لنقدها و تفنيذها، و بهذا تضمن استمراريتها ،فالدعوة حينما تقتل حرية الاختلاف تحفر قبرها بيدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *