من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية (الحلقة 7)

 الوطن24 /الشيخ عبد الكريم مطيع 

كنا زمن التأسيس في أشد الحاجة إلى وعاظ في المساجد للوصول إلى جمهور العامة وتكوين حاضنة اجتماعية بهم، وإلى كتاب يساهمون في كتابة دروس تربوية وفكرية أسبوعية نزود بها طلبتنا، ولكن رجال التعليم حينئذ كانوا فئتين، فئة رجال التعليم الثانوي من خريجي الجامعات وقد سبقتنا إليهم التيارات الفكرية العلمانية والاشتراكية والشيوعية لينينية وتروتسكية واستقطبتهم أحزاب المعارضة، وسيطروا بهم سياسيا وعقديا على أغلب تلامذة المدارس الثانوية والإعدادية، واشتد هجومهم على أبنائنا ورميهم بالتخلف والرجعية والعمالة للدولة، كما طرحت بينهم حوارات حادة حول الإيمان والإلحاد، وكان عابد الجابري حينئذ مديرا لثانوية بحي الرياض العالي بالدار البيضاء ومدرسا للفلسفة، فجاءني مرة يقول معرضا:” أصبح تلامذتنا يرموننا بالإلحاد “، فأجبته: “أليس الإلحاد فلسفيا علم يدرس في جميع الدول الشيوعية، وأنت نفسك تدرسه ضمن مقررات الفلسفة؟ أليست الرجعية تهمة تلصقها أنت نفسك بالمتدينين؟، الناس أخي أحرار في قناعاتهم فلماذا يغضب المرء إذا ذكر بقناعته الفكرية أو الدينية؟ ولماذا يغضب المتدين إذا وصف بالرجعي أو الماضوي والملحد إذا وصف بالإلحاد؟”.
وقد بذلتُ جهودا حثيثة ومرهقة في مجال استقطاب بعض أساتذة التعليم الثانوي من أمثال زميلين سابقين لي في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية هما سالم يافوت ومؤيد وغيرهما من أنشط أساتذة التعليم الثانوي حينئذ، وتوسلت إلى ذلك بمختلف الخدمات الإدارية أقدمها لهم، وما أدعوهم إليه من جلسات شاي ومآدب وحوار في بيتي لم تكن ذات جدوى.
وفئة معلمي المدارس الابتدائية والملحقين منهم بالمدارس الإعدادية، ولكن قدراتهم العلمية كانت محتاجة إلى مزيد شحذ يؤهلهم للكتابة التربوية والفكرية وغشيان الوعظ في المساجد، لذلك لم يكن لديَّ إلا أن أنظم دورات داخلية لاختيار بعض الإخوة منهم أدربهم فيها على الكتابة التربوية والفكرية وعلى الخطابة في المساجد.
أما الكتابة التربوية والفكرية للدروس الأسبوعية فقد جمعت لها إخوة عربيتهم جيدة، ودرست معهم أصول الكتابة العلمية والصحفية ومفاصلها، إلا أني لم أجد لهم استعدادا للقيام بذلك فصرفت النظر عن الموضوع منتظرا أن يتخرج طلبتنا الجامعيون فيسدوا هذه الثغرة.
وأما الوعظ في المساجد فواجهتنا ثلاث عقبات:
أولاهما رخص غشيان المساجد والقيام بالوعظ فيها، وقد تغلبنا عليها بمساعدة الفقيه الطنجي رحمه الله رئيس قسم المساجد في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والأستاذ عبد القادر الصحراوي مدير مجلتها “دعوة الحق” وكان أستاذا لي ثم صديقا وزميلا لي في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قبل أن ينسحب منه ويلحق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مديرا لمجلتها “دعوة الحق”، ثم وزيرا للإعلام ثم سفيرا في لبنان قبل أن يتوفاه الله، جزاه الله خيرا ورحمه وغفر له وجعل الجنة مثواه .
والعقبة الثانية كانت متعلقة بالخبرة العلمية لمن اختيروا لهذا العمل، فجمعتهم على فترات وحاورتهم في الموضوع وكان أهم عائق لهم هو القدرة على اختيار دروس الوعظ الأسبوعية، واتفقنا للتغلب عليها بأن يختار كل منهم موضوعا من تفسير ابن كثير، فيحفظه عن ظهر قلب ثم يلقيه عدة مرات على تلامذته في المدرسة ثم في عدد من المساجد، وأكدت لهم أن المواظبة على هذا النهج فى الاستعداد والإعداد سوف تكوِّنُ لديهم ملَكةَ الوعظ والقدرةَ على إلقاء الدروس أمام العامة، وتُجَمِّعُ لديهم رصيدا من الثقافة الإسلامية تعينهم على ما هم بصدده، وحينئذ ستستفيد الحركة من وجودهم وجهودهم إن شاء الله.
وأما العقبة الثالثة فكانت الجراءة على مواجهة جمهور العامة في المساجد، واختراقهم في المجتمع، وكانت بالفعل كَأْدَاء، لأنها منبعثة من ذات كل امرئ وتربيته الاجتماعية، وهذه تغلَّبنا عليها بأمرين: أولهما تكليف كل من له في العمارة التي يسكنها ملحقٌ لجمع مخلفات السكان أن يقنع جيرانه بتحويل هذا الملحق إلى قاعة قريبة منهم للصلاة، وأن يقوم بعد تنظيفها وفرشها بدعوة جيرانه للصلاة فيها ووعظهم وإمامتهم بها، وقد نجحت هذه الفكرة وانتشر خبرها وعمل بها في كثير من أحياء الدار البيضاء، وكانت أول عمارة افتتحت فيها قاعة للصلاة على هذا النهج في حي بورنازيل على يد الأخ التايدي أكثر سكان الحي حماسة للمشروع.
والأمر الثاني هو الاستفادة من الرخص الرسمية التي حصل عليها البعض، وكان أكثر المعلمين جراءة في الأمر وتنفيذا له هو الأخ التايدي في بورنازيل والأخ إبراهيم كمال لما سبق للأول منهما من التأثر بالشيخ الصمدي الإمام ببعض مساجد الدار البيضاءـ، وللثاني من دربة على العمل الجمعوي في جمعية (لاميج) التابعة للشبيبة والرياضة التي تنظم مخيمات صيفية تلاميذية في الأطلس، ولما سبق له من دروس وعظية يلقيها في مسجد بحي درب غلف بالدار البيضاء.
وكان أول من حصل منهم على رخصة الوعظ في المساجد هو الأخ زحل، ولكنه تردد في العمل بها، فأخذه الأخ كمال بسيارته إلى مسجده بدرب غلف، وقدمه للمصلين فألقى الدرس المعد من تفسير ابن كثير والذي تدرب بإلقائه على تلامذة فصله، حسب الخطة المقررة، ولكنه لم يستطع المواصلة بعد ذلك معتذرا بأنه لا يستطيع التنقل بين المساجد لبعد مسكنه في عين الشق عن كثير منها، فتنازلتُ له عن إحدى سيارتيَّ من نوع: (فيات 125)، ولكنه اعتذر بعدم حصوله عى رخصة سياقة، وعدم قدرته المادية على تغطية نفقات بنزينها، فتطوع الأخ محمد الراجي وكان جارا له كريما، وله تجربة في الدعوة مع جماعة التبليغ ودربة على الخدمة في سبيل الله، وتكفل بسياقتها به إلى المساجد وصيانتها وتزويدها بالبنزين كلما احتاج إلى استعمالها..
هكذا بدأت أولى خطوات الوعظ في المساجد، ثم أتقن إخوتنا المنبريات بما فيها من سلبيات وإيجابيات. وتكونت حول حركتنا حاضنة شعبية واسعة، لم نحسن أحيانا الاستفادة منها أو توجيهها. رحم الله من مات من إخوتنا في الله وغفر لنا ولهم، ولله في خلقه حكم لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *