من هم جمهور المغرب في ملاعب مونديال قطر!

الوطن 24/ بقلم: محمد الشرقاوي

كأيّ سؤال من أسئلة البحث الاجتماعي، يقتضي الجواب اعتماد منهجية البحث الميداني والمعاينة المباشرة، وتوظيف المعطيات الكمية والنوعية، لتكون الخلاصة واقعية بمعايير وعلمية. وجدتُ نفسي في أجواء مغربية رائعة في أكثر من موقع في الدوحة، وعايشتُ حماستهم في رحلات الميترو وداخل الحافلات نحو ملعب “البيت” في الخور وملعب “الثمامة” جنوبي المدينة. والتقيتُ بعضهم وهم يمشون على طول الكورنيش ساعات المساء، أو يهتفون ويرقصون في سوق واقف أو سيتي سنتر، أو عندما ترتفع أصواتهم وضحكاتهم حول طاولات المقاهي والمطاعم نشوة بانتصارات الفريق. غلب اللون الأحمر بحضورهم المباريات الثلاث الأولى ضد كرواتيا وبلجيكا وكندا بالآلاف، وكان أكبر عدد منهم خلال مباراة المغرب-كندا مساء الخميس الماضي.

بحكم التفاعل شبه اليومي معهم، يمكن تقسيم جمهور المغاربة في مونديال قطر إلى ثلاث مجموعات رئيسية:

1. مغاربة قطر أو المقيمون الذين “هرموا من أجل هذه اللحظة التاريخية” منذ عدة سنوات، وهم يشعرون حاليا بسرور مضاعف: استضافة قطر كأس العالم وقدرة الفريق المغربي على البلاء الحسن في ثلاث مباريات حاسمة ضد فريق عتيدة، وتحدوهم الآمال في أنهم سيكونون شهود عيان على نجاح محتمل لتأهل المغرب إلى منافسات ربع النهاية.

2. مجموعة أخرى تشمل مغاربة الشتات الذين جاؤوا من دول بعيدة ومنها فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة وأيضا من دول الخليج، وأعداد أخرى أتوا مباشرة من المغرب، وتبدو عليهم أماراتٌ مستوى معيشي جيد ودخل مريح. بيد أن القاسم المشترك بين هاتين المجموعتين من مغاربة الخارج والداخل أنهم اكتشفوا الأسعار مرتفعة جدا في الفنادق في الدوحة، وأيضا تلك المتداولة في المطاعم والمقاهي نسبيا خلال فترة المونديال. ويتراوح معدل الغرفة الواحدة في فنادق الدوحة حاليا بين 337 دولارا و2102 دولار لليلة الواحدة. غير أن رحلات الميترو والحافلات تظل مجانية بالنسبة لما حصلوا على بطاقة هيا، وهنا بعض التضامن القطري مع رأسمالية المونديال.

3. المجموعة الثالثة تشمل خليطا من الأعمار ومستويات الدخل المحدود. بعضهم يقيمون في منطقة الوكرة والضواحي الأخرى للعاصمة الدوحة. ونسبة منهم كانوا يحملون معهم حقائبهم بعد مغادرة ملعب الثمامة، وكأنهم سيتجهون إلى المطار في تلك الليلة. سألت اثنين من حملة الحقائب، فجاء الرد متذبذبا وكأنهما لا يقرّان بحتمية العودة المبكرة إلى الدار البيضاء مباشرة بعد المباراة.

تثير هذه المجموعة الثالثة سؤالا بديهيا: كيف تدبروا أمورهم المالية بما يكفي لتغطية تكاليف رحلة الطائرة بمعدل 500-700 دولارا، والإقامة في الفندق والوجبات بالأسعار الصاروخية، فضلا عن تذاكر الدخول إلى الملعب والمصاريف الأخرى. هل هي رحلة “وطنية” من قبيل تضحيتهم التلقائية أو “تمغرابيت” أصيلة من أجل عشق كرة القدم ومناصرة فريق المغرب، أم أن أبواب السماء أنزلت إليهم أعطياتٍ وهباتٍ وإكرامياتٍ عبّدت لهم الطريق إلى ملاعب الدوحة وفنادقها ومطاعمها؟!

تشمل هذه المجموعة أيضا بعضًا من فصيلة جديدة تسمى “مؤثرون”، كناية عن التكاثر والضجيج عبر منصات التواصل ونشر ما يعتقدون أنه تلميع لخطاب معين أو سمعة مؤسسة محددة. وليس من الواضح علميا بماذا يؤثرون، وفيمن يؤثرون، وهل لهم دراية فعلية بهندسة الخطاب العام؟

بحاول بعض هؤلاء تصوير مونديال قطر من الناحية الأمنية بمثابة قصة “إشعاع أمني مغربي”. فكتب أحدهم بلغة الفخر اللامتناهي: “الأمن القطري في المونديال موكل للحموشي المغربي، اغاني المونديال من ابداع ريدوان المغربي، تصميم كأس العالم في ايطاليا من انامل مغربي، التأهل العربي الامازيغي الوحيد مغربي…. تصدر القائمة في افريقيا والعالم العربي مغربي… الجمهور الرائع بشهادة الفيفي مغربي….. المونديال بنكهة مغربية خالصة. عاش الملك والشعب المغربي والاراضي المغربية والمخزن المغربي وكل من يحب المغرب…اما من يكره المغرب فالعزاء مقام في الشيراتون وفورا.”

نزعةُ فخر ينتشي صاحبها أكثر من حقيقة الوضع في الدوحة ممن يحضرون في “لمّة الشيراتون”. وهو لا يبدو أنه يعرف أن اللجنة الأمنية لمونديال قطر وظّفت 32000 شخصا من القطاع العام و17000 من القطاع الخاص. ونظمت تدريبات أمنية تحت إسم “وطن” مدة خمسة أيام في أكتوبر الماضي بالتنسيق مع خبراء من 13 دولة هي السعودية وباكستان وفرنسا وألمانيا وبولندا وإيطاليا والأردن والكويت وإسبانيا وفلسطين والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والمملكة المتحدة.

إزاء نزعة المبالغات الحماسية لدى صديقنا المفاخر، كان لا بد من تصحيح الأمور، فكتبت العبارة التالية:” أنت تزّيف الحقائق وتغالط الواقع. القطريون استعانوا بأعداد كبيرة من موظفي الأمن من الأردن وتركيا والسودان، وبأعداد قليلة من تونس والجزائر والمغرب. والنحات الذي صمم كأس العالم الجديدة إيطالي أبا عن جد. وإذا زادت حمّى الحماسة لديك، قد تنكر على القطريين كل الفضل وتنسبه إلى من تراه “نجم السهرة”، وقد يزداد افترائك بأن تقول إنه تقرر تنظيم مباراة نهاية كأس العالم في الرباط. الله يهدي من يهذي!”.

يقول المثل: خذ حقك ودع لغيرك ما يستحق. فلأيّ حكومة ولأي فريق “مؤثرين” أن يفتخروا بإنجازاتهم داخل الملعب وخارجه كيف أرادوا. لكنه كان وسيكون وسيظل في كتب التاريخ كأس عالم قطريا بلا منازع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *