نطام الكوتا النسائية: ألية انتقالية أم تكريس للريع السياسي؟

لكن بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن على تطبيق نظام الكوتا (الحصة)، وفي إطار الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة لسنة 2026، يبقى التساؤل مشروعا حول الجدوى من استمرارية العمل بنظام الكوتا النسائية، خاصة وأن تعديلات الأخيرة (مارس 2021) للقوانين الانتخابية أبقت على نظام الكوتا بالنسبة للنساء، مع إلغاءه بالنسبة لفئة الشباب.

بالرجوع الى نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021، فقد انتقلت نسبة النساء داخل مجلس النواب من 20.51 في المائة في المجلس السابق إلى 24.3 في المائة في المجلس الحالي. لكن رغم هذا الارتفاع المسجل في حضور النساء داخل مجلس النواب، فإن الأرقام تخفي حقائق أخرى، وهي تراجع عدد النساء الفائزات بمقاعد نيابية في الدوائر المحلية، فمنذ الانتخابات التشريعية لسنة 1993 والتي تعتبر أول مشاركة نسائية في البرلمان، ممثلة بسيدتين فازتا بمقعدين، وهو الأمر الذي اعتبر إنجازا تاريخيا بالرغم من أن التنصيص الدستوري لحق المرأة في الترشيح تم إقراره منذ أول دستور للمملكة سنة 1962، فقد ظل عدد الفائزات بالمقاعد المحلية في الاستحقاقات التشريعية ضعيفا إذ لم يتجاوز عشر برلمانيات سنة 2016، وتراجع إلى ستة فقط في الولاية التشريعية الحالية 2026-2021، وهو نفس المستوى المسجل عند اعتماد الكوتا لأول مرة، أي ما يمثل 1.96 في المائة من إجمالي المقاعد.

 وهنا نتساءل هل الهدف من الكوتا النسائية هل هو الرفع من التمثيلية العددية للنساء داخل البرلمان؟ أم أن الهدف الحقيقي هو تمكينهن من فرض ذواتهن انتخابيا وصناعة قيادات سياسية محلية قادرة على المنافسة الفعلية؟

ألم تشكل اللائحة الوطنية للنساء عائقا من نوع آخر، إذ لا يتم ترشيح النساء في اللوائح المحلية تحت ذريعة أن لهن لائحة وطنية، حيث لم تتجاوز نسبة ترشيحات النساء 10% بالرغم من التحفيزات المالية المخصصة في هذا الجانب، الأمر الذي أدى بالأحزاب السياسية إلى تحويل اللائحة الوطنية إلى سقف للتمثيلية السياسية للنساء.

  ولماذا المطالبة برفع نسبة الكوتا للولوج الى المجالس المنتخبة، وليس المطالبة بالكوتا لوصول النساء إلى قيادة الأحزاب السياسية أو النقابات وتطبيق الكوتا في التزكيات ولوائح الترشيحات؟

  ثم لماذا لم تتمكن النساء المستفيدات من نظام الكوتا في الانتخابات السابقة من ولوج غمار الإنتخابات ضمن اللوائح المحلية؟ باعتبار هذا النظام الانتخابي ما هو إلا تمرين بيداغوجي وآلية انتقالية لتأهيل النساء سياسيا، وإعدادهن لولوج الحياة السياسية، وبالتالي ستساهمن بشكل سلس في رفع نسبة النساء في البرلمان عبر الترشح بكثافة في اللوائح المحلية خاصة بعد الأداء الجيد لعدد من البرلمانيات في الولايات التشريعية السابقة.

 ومن جانب أخر، لماذا انحصرت تمثيلية النساء على العضوية في البرلمان دون تطورها إلى رئاسة المجلس ورئاسة بعض الهياكل كالفرق البرلمانية واللجان النيابية، حيث تبقى تمثيلية النساء ضعيفة في هذا المستوى، كما هو الشأن في رئاسة المجالس الترابية، حيث تمثيلية النساء جد ضعيفة، فلم تُنتخب أي مرشحة لرئاسة أي من المجالس الإقليمية مع أن عددا كبير من النساء انتُخبن في عضوية هذه المجالس.

 بعودتنا الى أرقام المشاركة السياسية للنساء، فقد استعملت المرأة كوعاء انتخابي مهم تم الاستفادة منه في التصويت في الانتخابات فقط وممارسة حقها كناخبة وليست كمنتخبة. فمثلا بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية المحصورة في 28 غشت 2016 : 15702592 مواطنة ومواطن وشكلت النساء 45%   من الهيئة الناخبة، فيما تزايد عدد النساء المسجلات في اللوائح الانتخابية حسب اللوائح الانتخابية المحصورة في 21 مارس 2020، بنسبة 46 %. لذلك وبدون شك وإن أثرت النساء في الحياة السياسية بالتعويل عليهن ككثلة ناخبة في حسم الترشيحات لصالح الذكور، فإن واقع المشاركة السياسية يثبت إقصاءهن على مستوى الترشيحات في اللائحة المحلية التي تتميز بالتنافس الإنتخابي على مستوى البرامج وأيضا على مستوى الهيمنة الذكورية.

 عموما، إذا كان نظام الكوتا مكن من إعطاء نتائج ملموسة على مستوى تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة وهي تمثيلية عددية مهمة، يمكن أن يأتي أيضا بنتائج عكسية، لأن الاهتمام بالإنجاز الكمي للمرأة وتحقيق المشاركة ورفعها على مستوى الأرقام والمؤشرات سيحول دون اتخاذ المزيد من السياسات لكفالة تمكين المرأة من المشاركة الفعلية في الحياة العامة. فالرهان مازال مفتوحا حول تكريس أحقية النساء في التمثيل السياسي وبأهمية ولوجهن للمؤسسات السياسية والمنتخبة مثله مثل باقي المناصب الإدارية، فلا ينبغي اختزال قضية التمثيل السياسي للمرأة في مجال مناصب المسؤولية السياسية، بقدر ما يجب النظر إليها من خلال قدرتها على الممارسة السياسية وإنتاج القيم السياسية وتوزيعها.

 لذلك، ومع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تطرح التساؤلات حول مستقبل الكوتا، وهل حان الوقت لمراجعته  والتفكير في إلغائه تدريجيا لصالح المنافسة الحقيقية أم الإبقاء عليه وتكريس المزيد من الريع السياسي والعائلي ؟ لقد حان الوقت لتقييم حصيلة العمل بهذا النظام، وتقييم المنجزات التمثيلية للنساء داخل المجالس المنتخبة، وتقييم مدى مساهمتهن في تطوير العرض السياسي والتمثيل والدفاع عن قضايا المجتمع وقضايا المرأة والنوع الاجتماعي على الخصوص، خاصة وأن واقع الحال يثبت وبدون شك أن هناك مفارقات شاسعة بين الحضور الثقافي والتعليمي للمرأة وبين حضورها في الحقل السياسي، ويثبت أيضا محدودية وتدني حضور المرأة في الهياكل الحزبية، بالرغم من حضورها القوي في هيئات المجتمع المدني.