هل تحارب الدولة المغربية الإسلام!!؟؟

الوطن 24/ بقلم: د.علي فاضلي*

الزعم بأن الدولة المغربية تحارب الإسلام بسبب الإجراءات المتعلقة بمنع صلاتي العشاء والصبح وصلاة التراويح في رمضان، هو زعم من الخطورة بمكان، بل إنه لعب بالنار، خصوصا من طرف بعض الجهات السياسية المعارضة للنظام السياسي القائم، ومن طرف بعض التيارات السلفية الفاقدة للوعي.

والخطورة تمكن في الانتشار الكبير لمثل هذه المزاعم المخدومة والموجهة في شق كبير منها، وهي مزاعم تتم بوعي وبدونه في إدراك طبيعة الدولة المغربية والمكانة التي يمثلها الإسلام بالنسبة للمؤسسة الملكية.

إن أهم ركن تقوم عليه شرعية الدولة المغربية هو الإسلام، فالدولة أول ما قامت، قامت على أساس الشرعية الدينية، فالرابطة التي ربطت وما تزال بين الملك/السلطان وبين المغاربة هي رابطة البيعة، وهي رابطة سابقة على الدستور ومتضمنة فيه، فالملكية في المغرب ليست هي ملكيات الخليج التي أنشأها الاستعمار الأجنبي، وليست هي الملكيات التي أنشأها العثمانيون في شمال افريقيا، والتي سرعان ما انهارت بعد خروج الاستعمار الأجنبي، فالدولة في المغرب هي من أقدم الدول في العالم، والدولة العلوية تحكم المغرب لما يزيد عن أربعة قرون، فالملكية في المغرب ليست طارئا على المغاربة، وسر هذه العلاقة بين المغاربة وملوكهم هو الإسلام، ولهذا نفهم كيف بقيت الملكية في المغرب قائمة كاستثناء في دول شمال افريقيا.

والمغرب لا يتوفر على شخص المفتي كشخصية أساسية ومحورية كما هو الشأن في العديد من الدول الإسلامية، فوظيفة الإفتاء تمارسها المجالس العلمية التي يعتبر أمير المؤمنين رئيسها.

من هنا نفهم كذلك عبقرية قادة الحركة الوطنية حين أدركوا مكانة الملك/السلطان لدى المغاربة، وناضلوا من أجل عودة محمد الخامس لوطنه بعد نفيه، وحتى حينما وقع الصراع بين الملكية والأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنية لم يكن الخلاف حول وظائف الملك الدينية بل كان حول وظائفه السياسية كرئيس للدولة، وأثير النزاع حول قضية إمارة المؤمنين حينما بدأ الملك الراحل الحسن الثاني في توظيفها بكثافة لمواجهة المعارضة السياسية، مما دفع بأحزاب المعارضة إلى المطالبة بتعديل الفصل 19 من الدستور للتمييز بين وظائف الملك كأمير للمؤمنين وبين وظائفه كرئيس للدولة، وهو ما تم مع دستور 2011.

إذا كان قادة الحركة الوطنية الإصلاحية من أمثال علال الفاسي وعبد الكريم الخطيب من المدعمين لإمارة المؤمنين ولشرعية الملك الدينية، فإن الأمر سيتغير مع ميلاد نسخة جديدة من الحركة الإسلامية بداية سبعينيات القرن الماضي، حينما شككت تلك الحركة بمختلف تياراتها بالشرعية الدينية للملك، ونازعته هذه الشرعية، وهو ما أدخل معادلة جديدة في طبيعة الصراع، عبر نقله من صراع حول وظائف الملك السياسية إلى صراع حول وظائفه الدينية ونزع الشرعية الدينية عنه، وهنا ظهرت عبقرية عبد الإله بنكيران حين أدرك طبيعة الملكية في المغرب، وأنها ليست مثل بقية الأنظمة العربية، وأن إمارة المؤمنين في المغرب دليل على إسلامية الدولة، وأنها مكسب يغني الحركة الإسلامية عن الكثير من المطبات والمعارك التي تخوضها شبيهاتها في عديد من الدول العربية والإسلامية.

من هذه المنطلقات أولت الدولة المغربية عناية خاصة بالإسلام وشعائره، وسارعت لفتح المساجد بعد بداية التخفيف من إجراءات الحجر الصحي، كما أن المغرب من أكثر الدول بناء للمساجد، ويولي أهمية خاصة للتعليم العتيق، وتنتشر الكتاتيب القرآنية في مختلف ربوعه التي يدرس فيها أزيد من 300 ألف طفل.

لذلك فإن الانتشار الواسع هذه الأيام لمقولة معاداة الدولة للإسلام أمر يتطلب معالجته على وجه السرعة، وقد أسهم في ذلك سذاجة وغباء بعض الحداثويين وجرائدهم، الذين ظلوا لسنوات يهاجمون صلاة التراويح ومظاهر التدين، وأظهروا فرحة وسرورا بمنع صلاة التراويح في رمضان، في حين كانوا يطالبون الحكومة بتخفيف الإجراءات الاحترازية قبل رمضان، الأمر الذي خلق رد فعل لدى الطرف المقابل.

أما الأطراف السياسية التي تريد توظيف قرار منع بعض الصلوات في المساجد في معركتها ضد الدولة، فعليها الوعي بأن هذا الأمر لعب بالنار لحساسية الإسلام وشعائره لدى المغاربة، فهناك فرق بين انتقاد “السياسة الدينية” المتبعة من قبل الدولة وبين نزع الشرعية الدينية عنها وتصويرها بمظهر المحارب للإسلام وشعاره، فهذا التوظيف ليس مثل توظيف بعض القضايا والملفات الاجتماعية في إطار الصراع السياسي القائم.

كما أن الدولة مطالبة بسرعة التفاعل مع هذا الأمر ودفع العلماء والدعاة للواجهة، وكذا مراجعة مدة الإغلاق لإتاحة صلاتي العشاء والصبح في المساجد، ومراجعة بعض التدابير غير السليمة في هذا المجال وعلى رأسها فتح أكبر عدد من المساجد.

*باحث في القانون العام والعلوم السياسية – خريج جامعة القاضي عياض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *