وقفات مع الجابري الحلقة الأولى

الوطن24/ بقلم: محمد الهداج 

ذكرتني معارك الصديق العزيز Driss Elganbouri واتهامه بالحدة في الحديث عن عَلَم من أعلام الفكر العربي والمغربي بما قاله لي الأستاذ رضا عوض صاحب دار رؤية عندما التقيته في البيضاء: “لو خففت من الحدة فسيكون لهذا الكتاب شأن” يقصد “الخطاب العربي والحداثة” والحقيقة أن في التمهيد وخاتمة الكتاب حدّة و لا أرى في الفصول النقدية في الكتاب حدة أو تجاوزا، ولكن الحقيقة كذلك أن الحديث عن المعاصرين وخاصة إن كانوا أعلاما وكان تلامذتهم و محبيهم كُثُر يجعل أي نقد حِدة مهما حاولت تلطيفه. وأحوالُ النفس مع أهل الفكر فيها العجب، فلو سألتني عن الجابري وزكي نجيب محمود لقلت لك أنهما من أحب الكتاب إلي وتقديري لهم من البدايات كان، ولا يزال وقد اشتعل الرأس شيبا، لكني قلت فيهم ما لم يقله مالك في الخمر كما يُقال، ففي باب النقد لا مجاملة. في التقليد المعاصر عندنا تجد المتخصص في عَلم من الأعلام ينتهي إلى تقديسه، وكنت أبتسم استغرابا عندما أرى متعصبا لهايدجر كَهُوبيرت دْريفوس أو قارئا نهِما كثير الاستشهاد به كَريتشارد رُورتي يصفانه بالعنصري البغيض، وقد انتهى بي الحال كذلك لتقدير فلسفت الألماني واستصغار شخصه، فإذا كان الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية فبدليل الخطاب الاتفاقُ في الرأي لا يفسد للبغض قضية.
ما كشفته التعليقات على تدوينات الصديق العزيز تعليقا على من أسماهم نقاد التراث وخاصة حديثه عن الجابري، هو التعلق الشديد للمثقفين بما نشأوا عليه، وكما سبق أن كتبت في “الخطاب العربي والحداثة”: يبقى الجابري في تصوري أهم مفكر عربي عرفته العقود الثلاثة الأخيرة، ليس فقط لقدرته الباهرة على عرض أفكاره بوثوقية تضاهي وثوقية درس في الرياضيات، ولا بمهارته النادرة على إخفاء السياقية والاقتضاء من خطابه، ولكن وبالأساس، لأن كتاباته استطاعت أن تكون للآلة الخطابية العربية، وخاصة تلك المبشرة والمعتقدة في الحداثة، وقودا حركها ردحا ليس بالقصير من الزمن، ولا يزال، ويكفي، أن تنظر في الانتشار الواسع في هذه الآلة لمفردات من مثل : الغنيمة والقبيلة والجزر الثقافية والعقل العربي و البرهان والبيان والعرفان والعقلانية النقدية…، لِتَلْمس تأثير الأستاذ في جيل وربما أجيال من كُتاب العربية. وهذا ما يجعل تراث مهما والوقوف مع فكره واجبا من واجبات الوقت. وهذا ما يجعل من تدوينات الدكتور Driss Elganbouri أمرا مطلوبا والاخذ والرد معه عملا في غَناء.
عرفت الجابري أولا عبر كتابه:” الخطاب العربي المعاصر” وعرفت عن طريقه الفيلسوف الماركسي الكبير أنطونيو غرامشي، وكان كتاب فيلسوفنا الجابري “تكوين العقل العربي” قارعة جعلتني أستشعر حجم جهلي وغروري معا فكانت رحلتي من هناك إلى فكر الغربيين؟، ولكن هذه المرة في مصادرهم.
وما انتهيت إليه من دراستي للرجل هو أنه كان يريد التغيير فأخطأه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *