الحزب السياسي “تمثيلية للدولة أم للمواطنين” (2-2)

الوطن 24/ بقلم: د. خالد شخمان
إذا كانت أحزاب العامة أو “الأحزاب الجماهيرية” هي التي يعوَّل عليها –كما أسلفنا- في التعبير الجامع عن السواد الأعظم من المواطنين، لأنها نشأت من جهة، كاستجابة شرطية لرغبة الأنظمة الديمقراطية الحديثة في توسيع المشاركة السياسية حتى تشمل كافة الناس وكافة الطبقات الاجتماعية. ولتجسيدها من جهة ثانية الأداة الأساسية والبنية السياسية الأقدر على الالتصاق بالمواطنين والحكم باسمهم؛ فإن انحصار غرضها ومقصدها في ربط تأطير الشعب بالتحقق من أصواته يوم الاقتراع، يحيل تعاملها معه –بحسب البعض– إلى تعامل فئوي محض “Fonctionnement Oligarchique” يصنف الناس إلى مقربين وغير مقربين أو إلى أصدقاء و”أعداء”. فرغم أن هذه الأحزاب نابعة من عمق الشعب فإن تضييق وظائفها في فقه الوصول إلى السلطة وتسييج أدوارها بضرورة استكمال الضبط السياسي والاجتماعي الخاص بالدولة، يضطرها للتماهي مع أدوار الدولة وأهدافها في إعادة إنتاج التراتبية داخل المجتمع. ومن تم فلكي يبلغ هذا الضبط مداه لا يقْصُر الحزب السياسي جهده، وحسب، على استدعاء أدواته الخارجية المتوجهة للعامة وللجماهير، بل يتجاوزها إلى الاستعصام ببنيانه الداخلي ليستثير أصوات أعضائه ومنخرطيه خدمة لإنجاح التعبئة من أجل الدولة ومصلحتها العامة.
غير أن ارتكان الديمقراطية التمثيلية إلى التصويت الصِّناعي الكمي بغرض تكثيف “المشاركة” السياسية و”اختيار الممثل السياسي” الذي يعبر عن “الإرادة الشعبية”، يُحَوِّل “الإرادة الشعبية” والتمثيلية النيابية– كما يرى المفكر عصمت سيف الدولة في مؤلفه “النظام النيابي ومشكلة الديمقراطية” -من أداة لصنع القرار السياسي وممارسة السلطة إلى “مجرد أداة رقابية” منزوعة الاختصاصات والسلطات. وهو توجه يؤكده -بحسب عصمت دائما- التطور التقني الذي يبيح التركيز على الصياغات الفنية للقوانين مجرِّدا الممارسة الديمقراطية من ذلك التجانس المفترض بين “السيادة الشعبية” وبين “سيادة القانون”: ليس وحسب، لأن التمثيل النيابي لم يعد يضطلع بدوره في صياغة القوانين، بل كذلك لبروز فكرة “نزع الاختصاص التشريعي” من السلطات المنتخبة ومنحها للسلطات الإدارية المتمرسة على صوغ القوانين، رغم ما قد يستأثر به النواب من مهام رقابية على قوانين السلطات الإدارية.
وعلى هذه الاعتبارات فإن الحزب السياسي وإن كان ينهض –كما يرى صفي الرحمن المباركفوري في مؤلفه “الأحزاب السياسية في الإسلام” -معبرا “عن وعي جماعي من خلال مؤسسة جماعية منظمة وعلنية لها موقف من قضايا المجتمع المعاصرة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولها برنامج عمل لتطوير الدولة والمجتمع وحل القضايا الأساسية التي تفرزها التناقضات اليومية للمجتمع داخليا”، وقائما من أجل تحقيق آمال الفئة التي يعبر عنها؛ فإنه لا يمكن أن يعبر من جهة إلا عن فئة مخصوصة محدودة تستجمع عادة في الأعضاء والمنخرطين والمتعاطفين.. كما لا يمكنه من جهة أخرى –بحسب محمد شحرور في دراساته الإسلامية المعاصرة حول الدولة والمجتمع –إلا أن يكون سند الدولة في التوغل لعمق الفرد وبناه الاجتماعية، ومن تم في تملكها للمجتمع وسائر حياة الأفراد.
[]
إن ذوبان الحزب السياسي في السلطة السياسية وحياته بها يجعله يتماهى مع سلطة الدولة وسيادتها. لكون الأمة- بوصفها شخصا معنويا غير حقيقي -لا تحقق سيادتها من ذاتها، بل من مجموع الأفراد المكونين لها. وهو الأمر الذي تنبنه ونبه إليه عصمت سيف الدولة حينما أدرك أن هؤلاء الأفراد لا يستطيعون التعبير عن إراداتهم السياسية إلا من خلال اتفاق هذه الإرادات وتوحيدها في قرارات توسم بالإرادة العامة: إن المساهمة في تشكيل الآراء والقرارات عن طريق “حق الاقتراع السياسي” الذي يقوم به الناخبون السياسيون إنما يتحقق بشكل بَعدي –أي بعد الانتخاب– حينما تتحول الأمة من كيان معنوي إلى كيان قانوني سائد يُصطلح عليه “الأمة القانونية” “Nation Légale”. وسواء أخذ هذا الاقتراع شكلا مباشرا أم غير مباشر فإن الأغلبية تَكُون هي الأداة الموَفِّقَة بين “الإرادة العامة” للناخبين وبين سيادة الدولة وسلطتها. وبهذا فإن النائب في الديمقراطية التمثيلية لا يمكنه –عند عصمت- أن يمثل إلا وحدة الأمة الاعتبارية المجسدة خارج بنية “الأفراد الذين يكونونها” إذ تَحُول نيابته دون تمثيل منتخبي دائرته سواء كانوا منفردين أو مجتمعين، لأنه حين يمثل الأمة قبل فعل الاختيار/ الانتخاب فإنما يمثلها بوصفها “هيئة واحدة مستقلة ومتميزة عن كل الأفراد والجماعات التي تتضمنها”.. وبهذا تصير الأمة موحدة مع الدولة ويصير نواب الأمة مجرد موظفين ومندوبين عن الدولة وعن سيادتها في إطار الاختصاص التشريعي.
وإذا كان حق التصويت يَفْترِض أن كل الناس يساهمون في بلورة الإرادة العامة من خلال أصواتهم، فإن النيابة تُفقِد عملية الانتخاب وحدتها اللازمة لأنه لا وجود لأمة تتجلى كلها عن دائرة انتخابية واحدة محددة. لهذا يتم تقسيم “جماعة الناخبين” إلى دوائر انتخابية يتولى ناخبوها اختيار ممثليهم المقسمين على اعتبار المعطيات المجالية وحسب. وحيث تتم هذه العملية دون تمتيع الدوائر الانتخابية بحق ممارسة سيادتها الخاصة ودون إمداد حصري للنائب بسلطة من دائرته الانتخابية، فإن حصر انتخاب النواب على مستوى الدوائر –رغم منح النائب حق اختيار الدائرة التي يريد الترشح فيها– يضحى في الحقيقة تعبيرا تقنيا مجردا، لأن دور ناخبي الدوائر يقتصر على مد الأمةَ بالموظفين/ النواب لملء الوظائف الشاغرة لدى الدولة على المستوى التشريعي. فهذه الدوائر هي التي تنوب عن مجموع الأمة في اختيار موظفيها وفي استكمال سيادتها العامة. (رِ في هذا الصدد كل من عصمت سيف الدولة، النظام النيابي ومشكلة الديمقراطية، ص270 فما بعدها. وأيضا: سمير داود سلمان، مدى تمثيل النائب للناخبين في ظل النظام النيابي، ص88.
ولا أدل على ذلك من توحيد معايير استحقاق المواطنين لحق التصويت ولشروطه على كافة حدود الدولة. حيث أن الطابع العام لسيادة الأمة مناقض تماما لما يشاع من “تمثيل المصالح” الجزئية للناس والدوائر ومن أن النواب يعبرون عن مواطني دوائرهم، لأن النواب الذين “يستمدون سلطاتهم من الأمة كلها وليس من الناخبين لا يجوز اعتبارهم وكلاء عن الناخبين”، وما ذلك إلا لانتفاء علاقات الإلزام الخاص بين الناخبين والنواب، فحيث لا وجود لوكالة خاصة مقيِّدة وملزمة للنواب فلا يمكن الحديث عن تشارك الناخبين في السيادة. لأن النواب الذين “يستمدون سلطاتهم من الأمة كلها وليس من الناخبين لا يجوز اعتبارهم وكلاء عن الناخبين”، وما ذلك إلا لانتفاء علاقات الإلزام الخاص بين الناخبين والنواب، فحيث لا وجود لوكالة خاصة مقيِّدة وملزمة للنواب فلا يمكن الحديث عن تشارك الناخبين في السيادة. (رِ في هذا الصدد كل من عصمت سيف الدولة، النظام النيابي ومشكلة الديمقراطية، ص270. وأيضا: سمير داود سلمان، مدى تمثيل النائب للناخبين في ظل النظام النيابي، م. س، ص88.
[]
محصول القول
لقد انتهينا إلى أن النسق الحزبي – بوصفه ابنا شرعيا للمنظومة الديمقراطية وركيزتها الأساس- نسقا قاصرا على تمثيل المجتمع والتعبير الجامع عن كافة أنسجته، حيث أن الحزب السياسي لا يمثل كما بيَّنّا سوى جزءٍ من المجتمع، وأن منتهى وجهة هذه الأحزاب/الأجزاء السياسية أن تقاد إلى التنافس والتصارع على حيازة السلطة السياسية: أتم لها ذلك بأدوات الانتخاب أم بأدوات الاضطراب…
لذا فالراجح -عندنا- أن توطين مفاهيم وأطروحات النسق الحزبي من صلب خبرات ونظريات لا تنسجم مع خبرتنا الحضارية هو ما يسقط الأحزاب السياسية، حين تركن لآليات الاختيار “المنقولة” المزينة ببعض القَسمات المنحوتة من “التراث”، في شَرك الابتعاد عن مدركات الناس الجماعية واحتياجاتهم المادية والمعنوية، ناهيك بتسريع انهيار بنيانها الداخلي المرتهن لأولويات السلطة والانتخابات؛ كما أن استنجاد هذه الأطروحات بمفهوم السلطة لإحداث التغيير في واقع الناس يحول أولا، دون هؤلاء الناس واضطلاعهم – أنفسهم – بوظائفهم الخليقة باستباق الخطى نحو التشييد العمراني الشامل: تاما غير منقوص، فالأصل في التغيير عندهم أن يتم بمستند التزاماتهم العقدية والاجتماعية لا طمعا في حقوق متحللة من كل الواجبات؛ ويُغفلهم ثانيا، عن تعدد إمكانات الاختيار سواء التنظيمي الداخلي أم الخارجي، حيث أن أمرَ الاختيارات المتحلقة حول “فقه” الوصول إلى السلطة إما على الانكفاء على آليات التصويت العددي الصناعي فقط مما يحول دون إعطاء الوزن الحقيقي لشرعية الناس والتنظيمات، أو على إعاقة وإعطاب محاولات الانفتاح على طاقات أخرى من خارج نسق التنظيمات. وما ذلك إلا لأنها اختيارات لا تلتفت -في المبتدأ والمنتهى- إلا لأحقية الدولة وسلطتها ووظائفها ونخبها في حيازة الدور الكامل المغير للبنيات والعقليات. وهو ما يعفي الناس من استذكار نماذج أخرى للاختيار قد تحفظ عليهم تماسك جماعتهم بأن تعصمهم من الذوبان في متاهات السلطة وتمنعهم من التنافس على شرعية “الحكم” أو تدبير المؤسسات: أكان هذا التنافس مباشرا أم غير مباشر وسواء كان بإدراك واع أم كان مختفيا في لا شعور التراكمات النفسية والتاريخية والسياسية.
