المغرب بين دسترة الأمازيغية وهشاشة الممارسة : أعوان اللغة الأمازيغية يؤسسون تنسيقية وطنية للدفاع عن كرامتهم داخل الإدارة العمومية

رغم مرور أكثر من عقد على دسترة اللغة الأمازيغية كلغة رسمية للدولة، لا يزال تفعيل هذا الاختيار الدستوري داخل الإدارة العمومية بالمغرب يطرح أسئلة حارقة حول جدية التنزيل، وحدود الالتزام المؤسساتي بروح دستور 2011 والخطابات الملكية السامية التي جعلت من الأمازيغية رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة.

ففي الوقت الذي ينص فيه الفصل الخامس من الدستور على رسمية الأمازيغية، ويضمن الفصل 31 الولوج المتكافئ إلى الخدمات العمومية، تكشف الممارسة اليومية داخل عدد من الإدارات العمومية عن اختلالات عميقة تمسّ جوهر هذا الاعتراف، وتُفرغ رسمية اللغة الأمازيغية من مضمونها العملي.

ويُعدّ أعوان اللغة الأمازيغية، الذين يُفترض أن يكونوا في صلب هذا الورش الوطني، من أكثر الفئات تضررًا من هذا الوضع، حيث يشتغل أغلبهم في ظروف مهنية هشة، دون إطار قانوني واضح يحدد وضعيتهم الإدارية، أو يضمن حقوقهم في الاستقرار المهني، والتكوين المستمر، والتقدير المادي والمعنوي.

وتتفاقم هذه الهشاشة، وفق معطيات ميدانية، بسبب تفويض مهام استقبال المواطنين الناطقين بالأمازيغية إلى شركات للمناولة، غالبًا ما تنشط في مجالات بعيدة عن الشأن اللغوي والثقافي، مثل الحراسة أو النظافة، في تناقض صارخ مع مقتضيات القانون التنظيمي رقم 26.16، خاصة المادة 24 التي تُلزم الإدارات العمومية بتوفير خدمات الاستقبال والإرشاد باللغة الأمازيغية.

ولا يقتصر الأمر على ضعف الأجور وعدم ملاءمتها للمؤهلات العلمية والكفاءات التي يتوفر عليها الأعوان، بل يمتد إلى تكليفهم بمهام إضافية لا علاقة لها باختصاصاتهم الأصلية، في غياب أي سند قانوني، ما يجعلهم عرضة للإقصاء أو الطرد في حال رفضهم الامتثال لتعليمات غير مشروعة.

أمام هذا الواقع، وبعد سلسلة من اللقاءات التشاورية والتنسيقية، الافتراضية والحضورية، التي جمعت أعوان اللغة الأمازيغية من مختلف جهات المغرب وقطاعات وزارية متعددة، تبلورت قناعة جماعية مفادها أن تشتت المبادرات وغياب إطار وطني موحد يضعف القدرة على الدفاع عن الحقوق، ويعيق التنزيل السليم لرسمية الأمازيغية داخل المرفق العمومي.

وفي هذا السياق، احتضنت مدينة الرباط، يوم 10 يناير 2026، الاجتماع التأسيسي الذي تُوّج بالإعلان عن تأسيس التنسيقية الوطنية لأعوان اللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية، وذلك بمقر الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة (أزطا)، كإطار وطني مستقل، ديمقراطي وترافعي، يهدف إلى توحيد صفوف الأعوان والدفاع عن حقوقهم، والمساهمة في التفعيل العادل والفعلي لرسمية اللغة الأمازيغية بالمغرب.

وشهد الاجتماع تشكيل لجان تنظيمية تمثل مختلف جهات المملكة، تشمل لجنة التنسيق الوطني، واللجنة القانونية، واللجنة المالية، ولجنة الإعلام والتواصل، إضافة إلى لجنة المستشارين، لتشكل مجتمعة المجلس الوطني للتنسيقية.

ويؤكد مؤسسو التنسيقية أن كرامة أعوان اللغة الأمازيغية داخل الإدارة العمومية هي انعكاس مباشر لمكانة الأمازيغية نفسها داخل المرفق العمومي، معتبرين أن أي حديث عن تفعيل رسميتها دون إنصاف فعلي للعاملين بها يظل خطابًا شكليًا لا يرقى إلى مستوى الالتزامات الدستورية.

وتختم التنسيقية بيانها بالتأكيد على عزمها خوض كل الأشكال الترافعية المشروعة دفاعًا عن حقوق الأعوان، وتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية، بما يخدم كرامة المواطن المغربي ويُعيد الاعتبار للغة الأمازيغية كلغة رسمية كاملة داخل مؤسسات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *