المغرب.. صورة النائبات البرلمانيات تصنع «البوز» أمام البرلمان.. حضور لافت أم رسالة سياسية تتجاوز حدود الصورة؟

الوطن24/ الرباط
لم يكن الحضور النسائي في افتتاح الدورة التشريعية الجديدة بالمغرب، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، مجرد تفصيل عابر في مشهد انطلاق ولاية برلمانية جديدة؛ فقد تحولت صورة متداولة لعدد من النساء أمام مبنى البرلمان، وهن يرتدين لباساً أبيض، إلى مادة تستدعي النقاش حول رمزية الصورة السياسية، وحدود تأثيرها في الرأي العام، وما إذا كان انتشارها يعكس اهتماماً متزايداً بالحضور النسائي داخل المؤسسة التشريعية.
الصورة، التي لفتت الانتباه بسبب طابعها البصري وطريقة ظهور النساء في لقطة واحدة، تفتح الباب أمام أكثر من قراءة. فهناك من قد يراها مشهداً عادياً من كواليس الدخول البرلماني، وهناك من قد يعتبرها تعبيراً عن حضور نسائي بات أكثر بروزاً في المشهد السياسي المغربي. وبين القراءتين، يظل السؤال الأهم: هل يتعلق الأمر بـ«بوز» صنعته منصات التواصل الاجتماعي، أم أن الصورة تحمل دلالات رمزية أوسع؟
من لقطة عفوية إلى حديث منصات التواصل
في زمن الإعلام الرقمي، لم تعد الصور السياسية بحاجة إلى بلاغ رسمي أو خطاب طويل حتى تجذب اهتمام الجمهور. فقد تكفي لقطة واحدة، التُقطت في لحظة عابرة، لتتحول إلى موضوع للتعليقات والتأويلات، خصوصاً عندما ترتبط بمؤسسة بحجم البرلمان، الذي يمثل إحدى الواجهات الأساسية للحياة السياسية والدستورية في المغرب.
وتبدو الصورة المتداولة لافتة من حيث اجتماع النساء في فضاء مرتبط بالمؤسسة التشريعية، مع تقارب ألوان اللباس والحركة أثناء الحديث. وهي عناصر تمنح المشهد جاذبية بصرية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الأمر يتعلق برسالة سياسية جرى الإعداد لها مسبقاً.
فالانتشار الرقمي، في حد ذاته، لا يعني بالضرورة وجود تنسيق أو دلالة خفية؛ إذ قد تصنع العفوية والظرفية والصورة الجذابة اهتماماً واسعاً من دون أن تكون وراءها خطة اتصالية محددة.
اللون الأبيض.. بين جاذبية الصورة وتأويل الرسائل
من بين العناصر التي تستوقف المتابعين ظهور النساء بلباس أبيض متقارب، وهو ما قد يدفع البعض إلى ربط المشهد بمعاني الانسجام أو التجديد أو تقديم صورة موحدة للحضور النسائي.
غير أن القراءة الصحفية الرصينة تقتضي عدم تحويل هذه التأويلات إلى حقائق. فلا تتوفر، انطلاقاً من الصورة وحدها، أدلة تثبت أن اختيار اللون الأبيض كان مقصوداً لتوجيه رسالة سياسية، كما لا يمكن الجزم بأن المجموعة أرادت إعلان موقف مشترك أو التعبير عن اصطفاف معين.
وقد تكون الصورة مجرد لقطة عفوية خلال يوم استثنائي في الحياة البرلمانية المغربية. وقد تكون، في نظر الجمهور، مناسبة لإعادة طرح أسئلة حول صورة المرأة في السياسة. أما تحديد الرسالة المقصودة، إن وجدت، فيحتاج إلى معطيات إضافية تتعلق بظروف التقاط الصورة ومصدر نشرها وتصريحات صاحباتها.
المغرب والتمثيلية النسائية.. ما وراء الصورة
تكتسب هذه الصورة أهميتها في سياق أوسع يرتبط بموقع المرأة داخل المؤسسات المنتخبة بالمغرب. فوفق المعطيات المنشورة بشأن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، ارتفع عدد النائبات في مجلس النواب إلى 107 من أصل 395 عضواً، مقارنة بـ96 نائبة في الولاية السابقة.
ويعكس هذا التطور زيادة في التمثيلية العددية للنساء داخل المؤسسة التشريعية، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً يتجاوز الأرقام: إلى أي حد تستطيع هذه التمثيلية أن تتحول إلى حضور مؤثر في صياغة القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، والدفاع عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين؟
إن أهمية الحضور النسائي لا تقاس فقط بالظهور في المناسبات الرسمية أو بالاهتمام الذي تحظى به الصور على مواقع التواصل، بل أيضاً بالمبادرات التشريعية والمواقف السياسية والمرافعة عن انتظارات المواطنين.
ومن هذه الزاوية، يمكن للصورة أن تكون مدخلاً لنقاش أعمق حول تطور المشاركة السياسية للمرأة المغربية، من دون تحميلها وحدها أكثر مما تحتمل من دلالات.
هل يخدم «البوز» صاحبات الصورة سياسياً؟
قد يمنح الانتشار الواسع للصورة صاحباتها مزيداً من الظهور الإعلامي، ويجعل الجمهور أكثر اهتماماً بهوياتهن وأدوارهن داخل البرلمان. كما قد يساهم في إبراز الحضور النسائي في لحظة تحظى أصلاً باهتمام سياسي وإعلامي كبير.
لكن هذا الظهور يظل مكسباً رمزياً أو إعلامياً محتملاً، وليس ضمانة لتحقيق شعبية سياسية أو نفوذ مؤسساتي. فالاهتمام الذي تصنعه الصورة قد يكون مؤقتاً، بينما تتحدد المكانة السياسية على المدى الطويل من خلال الأداء والمواقف والقدرة على الاستجابة لانتظارات الناخبين.
وهنا يكمن الفارق بين الانتشار الرقمي والتأثير السياسي: الأول قد يتحقق خلال ساعات، أما الثاني فيحتاج إلى عمل متواصل ونتائج يمكن تقييمها ومحاسبة أصحابها على أساسها.
هل نحن أمام رسالة سياسية غير معلنة؟
لا يمكن استبعاد أن يقرأ بعض المتابعين الصورة باعتبارها تعبيراً عن الثقة أو الحضور الجماعي أو الرغبة في تقديم صورة إيجابية عن النساء داخل المؤسسة التشريعية. لكن لا توجد في اللقطة وحدها قرائن كافية لإثبات وجود رسالة سياسية موحدة أو هدف مشترك بين جميع الظاهرات فيها.
ومن ثم، فإن الحديث عن «رسالة وراء الصورة» ينبغي أن يظل في إطار التحليل والاحتمال، لا في صيغة الخبر المؤكد. فالمهنية الصحفية تفرض الفصل بين الوقائع والتفسيرات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات سياسية وصورة قابلة لانتشار تأويلات متعددة.
من صناعة الصورة إلى صناعة الأثر
إن ما يستحق الاهتمام في هذه الواقعة ليس فقط حجم التفاعل الذي حققته الصورة، بل النقاش الذي يمكن أن تفتحه حول العلاقة بين الصورة السياسية والأداء البرلماني في المغرب.
فالمشهد قد يجذب الأنظار، وقد يثير الفضول، وقد يتحول إلى حديث منصات التواصل. غير أن القيمة الحقيقية للحضور النسائي ستتضح من خلال ما ستقدمه النائبات خلال الولاية التشريعية الجديدة، ومدى انخراطهن في الملفات التي تمس حياة المغاربة، وقدرتهن على تحويل التمثيلية السياسية إلى عمل مؤسساتي ملموس.
في النهاية، قد تصنع صورة واحدة «البوز»، لكنها لا تكشف وحدها حقيقة الرسائل السياسية ولا تحدد مستقبل صاحباتها. وبين رمزية الحضور النسائي أمام البرلمان المغربي واختبار الأداء داخل المؤسسة التشريعية، يبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من جاذبية الصورة إلى قوة الفعل، ومن الاهتمام العابر إلى أثر سياسي يخدم المواطنين.
