المغرب في قلب الحدث القاري: “كان 2025” يختتم فصوله الكبرى بملاعب ترسّخ صورة دولة صاعدة بثقة ورؤية

نعيش هذه الأيام الأخيرة من العرس الإفريقي، كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب، في لحظة كروية فارقة تجاوزت حدود المنافسة الرياضية، لتتحول إلى حدث قاري شامل يعكس صورة المملكة كدولة واثقة من اختياراتها، دقيقة في تنظيمها، وطموحة في تموقعها الإقليمي والدولي. فقد نجح المغرب، خلال أسابيع البطولة، في جعل كرة القدم لغة جامعة بين الشعوب الإفريقية، وواجهة حضارية تعكس عمق الرؤية التي تقود مساره التنموي.

لم يعد تنظيم التظاهرات الكبرى بالنسبة للمغرب مجرد استحقاق عابر، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يعكس نضج التجربة الوطنية في تدبير الأحداث الدولية. وتأتي ملاعب نصف نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 لتجسد هذا التحول العميق، وتؤكد أن المملكة انتقلت من مرحلة الاستضافة إلى مرحلة صناعة النموذج، حيث تلتقي البنية التحتية المتطورة مع التنظيم المحكم، والشغف الجماهيري مع الاحتراف المؤسساتي.

في شمال المملكة، يتصدر ملعب طنجة الكبير، المعروف باسم ملعب ابن بطوطة، المشهد باحتضانه لمواجهة من العيار الثقيل بين منتخبي مصر والسنغال. هذا الصرح الرياضي، الذي افتُتح سنة 2011، خضع لعملية توسعة وتحديث شاملة في إطار التحضير لكأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، لترتفع طاقته الاستيعابية إلى حوالي 75,500 مقعد، ما يجعله الأكبر في المغرب حاليًا. وقد شملت الأشغال تحديث المرافق، تطوير أنظمة الإضاءة والبث، وتحسين جودة الرؤية والخدمات، بما يضع الملعب ضمن دائرة الملاعب المرجعية على المستوى الإفريقي، القادرة على استضافة أكبر المباريات وفق أعلى المعايير الدولية.

أما العاصمة الرباط، القلب السياسي والإداري للمملكة، فتحتضن بدورها مباراة نصف النهائي التي تجمع المنتخب المغربي بنظيره النيجيري، على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله، في مواجهة تختزل طموح أمة وشغف شعب. هذا الملعب التاريخي عاد في حُلّة جديدة بعد إعادة بنائه بالكامل، وافتتاحه في 5 سبتمبر 2025، ليصبح جزءًا من مجمّع رياضي متكامل يضم مرافق أولمبية وصالات حديثة. وتبلغ سعته الحالية حوالي 68,095 مقعدًا، مع قابلية الرفع مستقبلًا في أفق التحضير لكأس العالم 2030، بما ينسجم مع دفاتر التحملات الدولية من حيث السلامة، الراحة، وجودة التجربة الجماهيرية.

اختيار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لهذين الملعبين لاحتضان مباريات حاسمة في بطولة قارية بهذا الحجم لم يكن وليد الصدفة، بل يعكس حجم الثقة التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة كبلد منظم، قادر على إنجاح التظاهرات الكبرى على المستويات التقنية، اللوجستية، الأمنية، والإعلامية. وهي ثقة تعززت بفضل استثمار مستدام في البنية التحتية، وحكامة رياضية واضحة، وإرادة سياسية تعتبر الرياضة رافعة للتنمية ووسيلة لتعزيز الحضور الدولي.

ومع اقتراب إسدال الستار على كأس أمم إفريقيا 2025، يثبت المغرب أنه لم يكن مجرد بلد مضيف، بل شريكًا فاعلًا في إعادة رسم ملامح كرة القدم الإفريقية الحديثة. بطولة ناجحة، تنظيم محكم، ملاعب بمعايير عالمية، وجماهير صنعت الفرجة… عناصر تؤكد أن المملكة المغربية، وهي تتجه بثبات نحو استحقاق كأس العالم 2030، تقدم نفسها اليوم كقوة تنظيمية صاعدة، تحترم تاريخها، وتستثمر في حاضرها، وتخطط بثقة لمستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *