مدينة بريطانية تستعين بخبير مغربي من فاس لتحديد القبلة: الفقيه “الجميلي” يبعث تراث القرويين من قلب سوق أربعاء الغرب إلى أوروبا.

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
في مشهد يُشبه القصص التاريخية التي نقرأ عنها في كتب التراث، شهدت إحدى المدن البريطانية لحظة استثنائية حين قررت الجالية الإسلامية بناء مسجد جديد لخدمة السكان المسلمين، لكنها اختارت أن تكون البداية من الأصالة لا من التطبيقات الحديثة: تحديد اتجاه القبلة وفق الطريقة التقليدية الإسلامية، لا عبر البوصلة ولا عبر الهاتف الذكي.

من هنا بدأت الرحلة، وكانت الوجهة: المغرب، فاس تحديدًا، حيث جامع القرويين العتيق، أقدم جامعة في العالم الإسلامي، التي خرّجت أعلامًا في الفلك والرياضيات الشرعية والتوقيت. وكان الجواب حاضرًا في شخص الخبير والفقيه المغربي عبد السلام الجميلي، ابن مدينة سوق أربعاء الغرب، حي السلام، وأحد أبناء العائلة العلمية العريقة “الجميلي”.
بدعوة رسمية، حلّ عبد السلام الجميلي في المدينة البريطانية وهو يحمل معه رصيدًا علميًا أصيلًا وأدوات تقليدية عريقة، مرتديًا جلابة مغربية فضفاضة تعود في طرازها لأواخر القرن الماضي، خيّطها خصيصًا وارتداها بكل فخر، كأنما يحمل معه عبق المغرب وهو يدخل مسجدًا في أوروبا.

وبدقة علمية فائقة، وباعتماد تقنية “الظل الشاقولي” – وهي طريقة فلكية قديمة تعتمد على خطوط الطول والعرض وميلان الشمس وجاذبية الأرض – تمكن الفقيه الجميلي من تحديد اتجاه القبلة بمنتهى الدقة، متجاوزًا ما يمكن أن تمنحه البوصلة أو التطبيقات الرقمية الحديثة. التقنية التي ورثها عن شيوخ القرويين، والتي لا تزال تدرّس بين جدران فاس العتيقة، أثبتت مرة أخرى أن التراث العلمي الإسلامي لا يزال ينبض بالحياة والعطاء.
وقد أثارت هذه المبادرة إعجاب الجالية المسلمة وسكان المدينة على حد سواء، إذ لم تكن مجرد عملية تقنية، بل لحظة روحانية وعلمية عميقة، جمعت بين العلم والهوية، بين الماضي والمستقبل، بين المغرب وبريطانيا.

فقيه من أبناء سوق أربعاء الغرب، يلبس هويته بفخر، يمثل مدينته ووطنه بأخلاق العلماء وتواضع الحكماء، ويبرهن أن المغرب ما زال منارة للعلم والأصالة في العالم الإسلامي. وأبناء البلدة الذين نعتز ونفتخر بهم، هم بدورهم لا ينسون جذورهم، ويظلون سفراء لمغربٍ عريق حيثما حلوا.
