المغـرب: عبد النباوي يقرع جرس الإنذار: القضاء بين طوفان الطعون ورهان العقوبات البديلة ورقمنة العدالة

أطلق محمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، رسائل قوية ومباشرة خلال افتتاح السنة القضائية الجديدة 2026، عكست حجم التحديات البنيوية التي يواجهها القضاء المغربي، في مقدمتها الارتفاع المهول في عدد الطعون المعروضة على محكمة النقض، وتراكم الملفات، إلى جانب رهانات إصلاح السياسة الجنائية عبر العقوبات البديلة وتسريع رقمنة منظومة العدالة.

وحذّر عبد النباوي من الوضعية التي باتت تعيشها محكمة النقض، مؤكداً أنها تجد نفسها مجدداً في “حالة استغاثة” بسبب سيل الطعون غير المنتجة، التي تهدد، بحسب تعبيره، جودة المقررات القضائية واستقرار الاجتهاد القضائي، وتُفرغ المحكمة العليا من وظيفتها الدستورية الأساسية المتمثلة في توحيد الاجتهاد وضمان الأمن القضائي، لا التحول إلى درجة ثالثة من درجات التقاضي.

واعتبر المسؤول القضائي أنه من غير المعقول أن تسجل محكمة النقض المغربية سنوياً أزيد من خمسين ألف طعن، في وقت تسجل فيه محاكم عليا بدول يفوق عدد سكانها عدد سكان المغرب أرقاماً تقل إلى النصف، مشدداً على أن هذا الخلل يستدعي تدخلاً تشريعياً عاجلاً لوضع معايير وضوابط صارمة للطعن بالنقض، تجنب المحكمة الغرق في طعون تفتقر إلى الجدية.

ووجّه عبد النباوي خطابه إلى مختلف الفاعلين، من مواطنين حريصين على جودة القضاء، وهيئات الدفاع الساعية إلى الارتقاء بالأحكام، وصولاً إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، مذكّراً بأن المجلس الأعلى للسلطة القضائية عبّر منذ سنوات عن انزعاجه من هذا الوضع، لما له من انعكاسات مباشرة على فعالية العدالة.

وكشفت الأرقام المقدمة عن حجم الضغط غير المسبوق، إذ سجلت محكمة النقض خلال سنة واحدة 60 ألفاً و35 طعناً جديداً، أضيفت إلى 46 ألفاً و549 ملفاً متخلفاً عن سنة 2024، ما رفع عدد الملفات الرائجة خلال 2025 إلى 106 آلاف و584 ملفاً. ورغم المجهودات الكبيرة التي بذلها القضاة، حيث بلغ معدل الإنتاج الفردي لكل مستشار حوالي 270 قراراً، وتم البت في 54 ألفاً و49 ملفاً، فإن أكثر من 52 ألف قضية ظلت دون حكم، مشكلة رصيداً سلبياً مع انطلاق السنة القضائية الجديدة.

وأظهرت المعطيات أن 21,71 في المائة فقط من الطعون انتهت بالنقض، مقابل رفض 78 في المائة منها، من بينها قرارات صدرت بعدم القبول، فيما تم رفض أزيد من 13 ألف طلب بسبب عيوب شكلية، وهو ما يعكس، بحسب عبد النباوي، الحاجة الملحة لإعادة النظر في شروط ولوج محكمة النقض.

وفي موازاة ذلك، استعرض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حصيلة تطبيق قانون العقوبات البديلة، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 شتنبر الماضي، مؤكداً أن محاكم المملكة أصدرت إلى غاية نهاية 2025 ما مجموعه 1001 حكم شمل 1077 شخصاً. وتوزعت هذه الأحكام بين الغرامات المالية، والعمل لفائدة المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية وتأهيلية، في حين ظلت المراقبة الإلكترونية محدودة جداً.

وسجلت المنظومة القضائية حالات إخلال بتنفيذ هذه العقوبات، إضافة إلى امتناع بعض المحكوم عليهم عن التنفيذ وارتكاب آخرين أفعالاً إجرامية جديدة، وهي معطيات اعتبرها عبد النباوي أولية وتحتاج إلى دراسة معمقة، بهدف تطوير السياسة الجنائية والاستفادة من المزايا الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تتيحها العقوبات البديلة مقارنة بالعقوبات السالبة للحرية.

وأكد المسؤول القضائي أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بتنسيق مع رئاسة النيابة العامة ووزارة العدل، انخرط في تأهيل القضاة للاضطلاع بمهام قضاة تطبيق العقوبة، إلى جانب تكوين قضاة آخرين في مستجدات المسطرة الجنائية، وإعداد دلائل عملية لمواكبة التحولات التشريعية.

وفي سياق تحديث العدالة، أبرز عبد النباوي التقدم المسجل في مجال رقمنة العمل القضائي، من خلال مشروع تحرير المقررات القضائية وتوقيعها إلكترونياً داخل منظومة “ساج 2”، حيث انخرط فيه 362 قاضياً، وجرى تحرير حوالي 250 ألف مقرر قضائي إلكترونياً، مع توقيع 12 ألف مقرر توقيعاً رقمياً، بما يتيح تسريع الإجراءات وتحسين ولوج المتقاضين إلى العدالة.

ويأتي هذا التطور في إطار التوجه نحو تعميم الجلسات الإلكترونية، التي جرى تجريبها لأول مرة بالمحكمة الابتدائية بالرباط، حيث تعقد الجلسات بملفات رقمية وبدون أوراق، في خطوة تعكس إرادة واضحة لتحديث العدالة ومواكبة التحول الرقمي.

وعلى مستوى الموارد البشرية والتخليق، كشف عبد النباوي عن تعيين 300 قاضٍ جديد خلال السنة الماضية، لترتفع نسبة تمثيلية النساء إلى أكثر من 28 في المائة، كما تم البت في عشرات الملفات التأديبية، وإجراء تفتيشات شاملة بعدد من المحاكم، في إطار تعزيز النزاهة وحماية استقلال القضاء.

وتعكس هذه المعطيات، في مجملها، مرحلة دقيقة تمر منها العدالة المغربية، تتقاطع فيها تحديات الضغط على المحاكم، مع رهانات الإصلاح والتحديث، في أفق بناء قضاء أكثر نجاعة، يوازن بين سرعة البت وجودة الأحكام، ويعزز ثقة المواطن في مؤسسة العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *