حفل التميز التلاميذي بين التعليم الريادي والتعليم العمومي: قراءة في مفارقة الاعتراف بالتفوق

الوطن 24/ بقلم: جمال أوجدو
أصبح الاحتفاء السنوي بالمتفوقين في المؤسسات التعليمية مناسبة تقدمها وزارة التربية الوطنية باعتبارها مؤشراً على نجاح الإصلاحات التي تعرفها المدرسة العمومية، خاصة في إطار مشروع مدارس الريادة. غير أن هذا الاحتفاء يثير، في المقابل، أسئلة جوهرية حول مدى قدرة هذه التجربة على معالجة الاختلالات العميقة التي تعاني منها المنظومة التعليمية، أم أنه يسلط الضوء على نجاحات جزئية لا تكفي للحكم على نجاح الإصلاح برمته.
لقد قدمت الوزارة مدارس الريادة باعتبارها نموذجاً جديداً للارتقاء بجودة التعلمات، إلا أن عدداً من الأسر والأطر التربوية ما زال يرى أن هذه التجربة لم تحقق بعد ما كان منتظراً منها. فسرعة تنزيل المشروع، وما صاحبه من تغييرات في المناهج والروائز وأساليب التقويم، خلقت تحديات جديدة بالنسبة للمدرسين والتلاميذ، في وقت لا تزال فيه المدرسة العمومية تعاني من إكراهات بنيوية تتعلق بالاكتظاظ، ونقص الموارد، والتفاوت المجالي، وضعف البنيات التحتية.
ويظل العالم القروي أكبر اختبار لمدى نجاح أي إصلاح تربوي. فلا يزال آلاف التلاميذ يقطعون يومياً مسافات طويلة للوصول إلى مؤسساتهم التعليمية، في ظل محدودية النقل المدرسي وضعف التجهيزات الأساسية، وهو ما يجعل الحديث عن تكافؤ الفرص أمراً يحتاج إلى إجراءات عملية أكثر من حاجته إلى الشعارات. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من توفير الظروف المناسبة للتعلم، قبل الحديث عن مؤشرات النجاح والتميز.
ومن جهة أخرى، شكل قرار إخضاع تلاميذ التعليم العمومي والخصوصي للامتحانات الإشهادية الموحدة في السنة السادسة ابتدائي والثالثة إعدادي خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لأنها تضع جميع التلاميذ أمام معايير تقييم واحدة، وتمكن أولياء الأمور من تكوين صورة أوضح عن مستوى مختلف أنماط التعليم. غير أن إعلان النتائج أثار بدوره نقاشاً بين عدد من الأسر، خاصة بشأن نتائج بعض المواد، وعلى رأسها اللغة الفرنسية، حيث عبر البعض عن تساؤلات حول مدى انسجام هذه النتائج مع المستويات التي اعتاد عليها تلاميذ التعليم الخصوصي. ومهما كانت أسباب هذه الملاحظات، فإنها تستدعي من الوزارة مزيداً من الشفافية في توضيح منهجية التصحيح والتنقيط، حتى تظل الثقة في منظومة التقويم قائمة.
إن نجاح أي إصلاح تربوي لا يقاس بحفلات التميز، ولا بعدد الجوائز الموزعة في نهاية الموسم الدراسي، وإنما يقاس بجودة التعلمات، والقدرة على الحد من الهدر المدرسي، وتحقيق العدالة المجالية، وتوفير تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ، بغض النظر عن انتمائهم الجغرافي أو الاجتماعي. كما أن الأسر التي تتحمل سنوياً أعباء مالية كبيرة لضمان استمرار أبنائها في الدراسة، تنتظر إصلاحاً ينعكس على واقع المدرسة العمومية، لا مجرد احتفاء بالنماذج المتفوقة.
وعليه، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى مراجعة مختلف السياسات التعليمية في إطار تقييم علمي وموضوعي، واتخاذ إجراءات عملية لمعالجة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة. فنجاح أي مشروع إصلاحي يقتضي الانفتاح على مختلف الفاعلين الحقيقيين في الحقل التربوي من أساتذة، وباحثين، ومفتشين، ومديري مؤسسات، وجمعيات أولياء الأمور، والاستفادة من خبراتهم في صياغة سياسات تعليمية أكثر واقعية ونجاعة. كما يقتضي توفير الإمكانات المادية والبشرية الكفيلة بإنجاح الإصلاح، خاصة في المناطق القروية والهامشية.
إن المغرب يشهد تحولات متسارعة في مجالات متعددة، من الاقتصاد إلى البنيات التحتية والاستثمار، غير أن التعليم يظل الحلقة التي تحتاج إلى إصلاح أكثر عمقاً واستدامة، لأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لكل تنمية. ومن ثم، فإن المدرسة العمومية لن تستعيد مكانتها بحفلات التميز وحدها، بل بإصلاح شامل يضمن لكل طفل مغربي حقه في تعليم جيد، منصف، ومتكافئ الفرص، ويجعل التفوق نتيجة طبيعية لجودة التعليم، لا مناسبة موسمية للاحتفاء فقط.
