الخطاب الملكي: اعتزاز بالهوية وحث على التعبئة لضمان السيادة والندية.

الوطن24/ بقلم: سعيد الكحل.
إن الخطاب الملكي أمام البرلمان لم يكن خطابا لافتتاح سنة تشريعية جديدة، بل هو خطاب لتحديد طبيعة المرحلة المقبلة والمهام المنوطة بالبرلمانيين وفق ما تقتضيه “الظرفية الاستثنائية” من اقتناص للفرص التي قد لا تتكرر، وما يفرضه ضمان السيادة والحفاظ على “الموثوقية” “في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو – اقتصادية”.
الهوية المغربية شرط لأي إصلاح.
في ظل الصراعات الإيديولوجية/ المذهبية التي تنخر مجتمعات الشرق الأوسط وتفتت كياناتها السياسية، حرص جلالته على الإفصاح والتذكير “إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي”، وفي هذا إذكاء لمشاعر الاعتزاز بالهوية المغربية في أبعادها: الدينية التي تجسدها وتحميها إمارة المؤمنين من الاختراقات المذهبية والطائفية؛ ثم الحضارية الغنية بتعدد مكوناتها وروافدها والتي تميز الشعب المغربي “بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء”. ثم الهوية السياسية “تحت راية ملكية عريقة، من أقدم الملكيات في التاريخ”. إن هذا الاعتزاز “ليس من أجل التباهي والتعبير عن الرضى عن النفس، بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية والثقة إلى واجب وطني”. أي يحول الوطنية من شعور وجداني يستهلك في المناسبات إلى التزام عملي، يلزم النواب الذين حازوا ثقة الناخبين، والمواطنين الذين ينتقدون، والدولة التي يجب أن تجعل الانتماء يستحق العناء والعمل الجاد، خصوصا في “ظرفية استثنائية” يعيد فيها العالم رسم سلاسل الإنتاج والطاقة. لهذا استعمل جلالة الملك كلمة “منعطف حقيقي” وليس استمرارية، فالولاية السابقة كانت ولاية تثبيت الدولة الاجتماعية عبر التغطية الصحية والدعم والحماية الاجتماعية، أما الولاية الثانية عشرة فيراد لها أن تكون ولاية بناء السيادة.
الجيل الجديد من الإستراتيجيات.
من شروط تحقيق السيادة “إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى” مع تسريع تنفيذ المشاريع المبرمجة. والجيل الجديد الذي حدده جلالته يتكون من ستة أقطاب مرتبة بمنطق وجودي لتحقيق السيادة وليس بمنطق إداري تدبيري، وهي: الأمن المائي أولا، ثم الأمن الطاقي، ثم الأمن الغذائي، ثم الإقلاع الصناعي، ثم الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وأخيرا تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية. فلا أمن غذائي بدون ماء، ولا صناعة بدون طاقة رخيصة، ولا ذكاء اصطناعي بدون صناعة وبيانات، ولا قرار سيادي بدون مخزون احتياطي. وهو الدرس الذي فرضته أزمتا كورونا وحرب أوكرانيا: الدولة التي لا تملك احتياطها من الدواء والقمح والطاقة لا تملك قرارها السيادي.
ولذلك وصف جلالة الملك المغرب بأنه “قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة”. فالصعود وحده لم يعد كافيا في عالم مضطرب؛ هناك دول صعدت بسرعة وسقطت بسرعة. الموثوقية هي العملة الجديدة، وتعني أن يثق فيك المواطن عندما تجف السدود، ويثق فيك المستثمر عندما تنقطع سلاسل الإمداد، ويثق فيك الشريك الدولي عندما يحتاج إلى طاقة. وقد ربط جلالته هذه الموثوقية بشرط لا يقبل التأويل وهو “التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”، أي أن المصنع في المحور الأطلسي لا معنى له إذا ظلت القرية في الجبل بلا ماء ولا مدرسة. من هنا شدد جلالته على ضرورة “وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي”. وهذه هي المداخل الأساسية لتعزيز الثقة بالقدرات الذاتية وبالمؤسسات الوطنية وبالمستقبل.
إن مسؤوليات جسيمة تنتظر البرلمانيين جميعهم بهدف النجاح في إطلاق الجيل الجديد من الإستراتيجيات الكبرى. بهذا المعنى، فإن خطاب التاسع من أكتوبر لا يطالب البرلمان الجديد بعدد القوانين التي سيصادق عليها، بل يضعه أمام سؤال واحد سيطرح عليه بعد خمس سنوات: هل حولتم فرصة استثنائية قد لا تتكرر إلى سيادة فعلية على الماء والغذاء والطاقة والبيانات، وجعلتم المواطن يعتز بمغربيته لأنه يرى العدالة في حيه وقريته، أم ضيعتم المنعطف في صراعات صغيرة؟ وهذا رد على بعض مكونات المعارضة التي توعّدت الحكومة بممارسة معارضة شرسة وغير مهادنة، “وبأيام عصيبة”، أي تحويل البرلمان إلى حلبة للصراعات والنقاشات البيزنطية، بينما الظرفية الاستثنائية تتطلب الاجتهاد والابتكار والتطوير لتحقيق انتظارات المواطنين، من جهة، ومن أخرى تحقيق السيادة وحماية الأمن القومي الشامل. فالرهان الحقيقي، كما قال جلالته، “هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها”. وهذا لن يتأتى إلا بتفعيل اللاتمركز الإداري.
لا خيار للمغرب إلا اقتناص الفرصة واستغلال الظرفية الاستثنائية التي قد لا تتكرر ثانية. فألمانيا تبحث عن 10 جيغاوات من الهيدروجين الأخضر، وفرنسا تبحث عن بطاريات، وإسبانيا تبحث عن أمن غذائي، وأمريكا تبحث عن سلاسل إمداد بديلة عن الصين. كل هؤلاء يبحثون عن شريك واحد: مستقر، قريب، ولديه طاقة وشمس ورياح. وهذه فرصة استثنائية فعلا للمغرب ليقول: أنا هنا بما أوفره من استقرار وأمن وموقع إستراتيجي ومؤهلات بشرية وطبيعية، والأهم “الموثوقية” التي لا تأتي بالخطب، بل بالوفاء بالالتزامات وبضمان توريد المواد الأساسية حتى في وقت الأزمة. لذلك دعا جلالته “إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية”. وهذه إشارة للمستثمر: إذا جاءت أزمة عالمية أخرى، المغرب لن يغلق حدوده ولن يقطع سلاسله، لأنه يملك احتياطه.
الشراكة اختيار سيادي وندّية.
إن السيادة التي شدد عليها جلالته وجعلها غاية الغايات لا تعني الانغلاق أو الاستغناء عن الشركاء الدوليين، وهو أمر يصعب تحقيقه في اقتصاد مندمج في التجارة العالمية؛ بل تعني تنويع الشركاء، وتقوية الإنتاج المحلي حيث يكون ذلك مجديا، وتجنب التبعية المفرطة لمصدر واحد، والاحتفاظ بهوامش كافية لاتخاذ القرار الوطني بصورة مستقلة. وتزداد أهمية هذا التوجه بالنظر إلى التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الدول توظف التجارة والتكنولوجيا والطاقة والمواد الأولية أدوات لتعزيز نفوذها الاستراتيجي. ولم تعد سلاسل التوريد مجرد آليات اقتصادية محايدة، بل تحولت إلى عناصر مؤثرة في الأمن القومي وفي موازين القوة الدولية. والمغرب تمكن من ترسيخ مكانته، على الصعيد الدولي، كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل. إلا أن إطار تلك الشراكات بات متجاوزا، خصوصا مع الدول الأوربية وفي مقدمتها إسبانيا التي صارت قوانينها متجاوزة وبعيدة عن الواقع.
من هنا قرر المغرب أن يتعامل بكل ندية مع شركائه الأوروبيين وأن يعيد التأسيس لشراكة متوازنة تراعي مصالح المغرب وإكراهاته. فالمغرب لم يعد مجرد بلد عبور نحو أوروبا، بل أصبح أيضا بلدا للاستقرار والهجرة الوافدة، فضلا عن كونه شريكا في تدبير الحدود ومكافحة الإرهاب وشبكات الاتجار بالبشر. وهذه الأدوار المتعددة تجعل المقاربة القائمة على التعاون الأمني وحده غير كافية، لأنها لا تعالج الجذور الاقتصادية والاجتماعية للهجرة، ولا تضمن توزيع المسؤوليات بصورة متوازنة. فحتى الدعم المالي الذي يخصصه الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير النظامية فيه حيف كبير في حق المغرب كما هو واضح من المعطيات التالية:
المغرب: خُصصت له حزمة مالية تبلغ 500 مليون يورو تغطي الفترة بين 2021 و2027 لدعم حماية الحدود ومكافحة شبكات التهريب.
تونس: تجاوزت قيمة الشراكة التي وقعها معها الاتحاد الأوروبي مليار يورو.
لبنان: بلغت حزمة الدعم المالي مليار يورو على مدى ثلاث سنوات لدعم الاقتصاد ومنع الهجرة غير النظامية.
تركيا: حصلت على حزم تمويلية هي الأكبر وصلت إلى 6 مليارات يورو لإدارة ملف اللاجئين ومنع التدفقات نحو أوروبا.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة صياغة الشراكة ينبغي أن تشمل أبعادا أوسع: التعاون الأمني، والتنمية في بلدان المنشأ والعبور، ومكافحة الشبكات الإجرامية، والتعاون القضائي، وتبادل المعلومات، والمسارات القانونية للهجرة، وتقاسم الأعباء المرتبطة بحماية الفئات الهشة.
