المغرب: وكالة الجنوب تحت نيران الاتهامات… مؤسسة عمومية أم قلعة مغلقة لتبذير المال العام؟

في المغرب، حيث يُرفع شعار الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تخرج إلى الواجهة واحدة من أكثر المؤسسات العمومية إثارة للجدل: وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأقاليم الجنوب، المعروفة اختصاراً بـ”وكالة الجنوب”، التي تحوّلت مع مرور السنوات إلى ما يشبه منطقة عازلة عن المراقبة، تُصرف فيها الملايين دون حسيب ولا رقيب، وتغيب عنها أبسط آليات الحكامة.

المفارقة الصادمة أن هذه الوكالة، التي أُحدثت بهدف النهوض بالأقاليم الجنوبية وتعزيز العدالة المجالية، أصبحت اليوم رمزاً للتعتيم والجمود الإداري. فلا تقارير تُنشر، ولا لوائح مستفيدين تُعلن، ولا أثر ملموس لمشاريع تنموية تبرر ضخ الأموال العمومية. إنها، بكل بساطة، مؤسسة تشتغل في الظل، بعيدة عن أعين المواطنين والصحافة وحتى المجتمع المدني.

وفي خضم هذا الصمت الرسمي، خرجت الشبكة المغربية لحقوق الإنسان والرقابة على الثروة وحماية المال العام ببلاغ شديد اللهجة، دعت فيه رئيس الحكومة، السيد عزيز أخنوش، إلى فتح تحقيق عاجل وشامل في مالية الوكالة. الشبكة كشفت عن اختلالات عميقة تتعلق بطرق صرف الدعم، الذي يُمنح، حسب تعبيرها، بمنطق الولاءات والمحسوبية، في غياب تام لمعايير الانتقاء أو طلبات العروض.

البلاغ لم يتوقف عند حدود المطالبة بالافتحاص، بل طالب بكشف لوائح الجمعيات المستفيدة خلال العقد الأخير، مع تفاصيل دقيقة حول نوعية المشاريع، ومبالغ الدعم، وأوجه صرفها، داعياً إلى إحالة كل من يثبت تورطه على القضاء، بغضّ النظر عن صفته أو منصبه.

فأين تذهب أموال هذه المؤسسة العمومية؟ ولماذا تصر على الصمت؟ ومن يحميها من المحاسبة؟

في الوقت الذي يعيش فيه المغرب تحولات سياسية ومؤسساتية كبرى، ويؤكد التزامه بالقطع مع الريع والفساد، تظل وكالة الجنوب استثناءً محبطاً، يُسيء إلى صورة الدولة وإرادتها المعلنة في الإصلاح والتنمية.

المواطنون، والحقوقيون، والإعلام، ينتظرون موقفاً واضحاً من الحكومة. هل تتحرّك لوقف هذا النزيف؟ أم أن الصمت الرسمي سيبقى سيد الموقف، ليكرّس واقع الإفلات من العقاب، ويُفقد شعارات الشفافية معناها؟

التاريخ لا يرحم، والمحاسبة تبدأ من الجرأة على طرح الأسئلة… فهل من مجيب؟