بين الفن والسياسة بالأطلس المتوسط: من وحدة الذاكرة إلى صراع اللحظة

الوطن 24 / بقلم جمال اوجدو
صحفي وباحث في الدراسات الامازيغية
«اشوال اسغان أمجر اس أشوا… أغرا الحساب يغل ورغري الحساب وفوس»ⴰⵛⵡⴰⵏ ⵉⵙⴳⴰⵏ ⴰⵎⵊⵔ ⵉⵙ ⵉⵛⵡⴰ…ⵉⴳⵔⴰ ⵍⵃⵙⴰⴱ ⵢⵓⴼⵓⵙ ⵓⵔ ⵉⴳⵔⵉ ⵍⵃⵙⴰⴱ ⵢⴰⴳⵍ
يشكّل هذا البيت الشعري المرتجل للفنان ميمون أورحو نموذجًا عميق الدلالة داخل الأدب الأمازيغي الشفهي، لما يحمله من رمزية تعبيرية تستحضر علاقة الإنسان الأمازيغي بالمجال والطبيعة والجماعة. فـ“أمجر”،ⴰⵎⵊⵔ باعتباره أداة الحصاد اليدوية، لا يحضر هنا بوصفه أداة مادية فقط، بل كرمز للعمل الجماعي والتوازن الاجتماعي، بينما يحيل “الحساب” إلى اختلال المعنى حين يغيب التقدير السليم للأمور. ومن خلال هذا البناء الرمزي، يبدو البيت الشعري وكأنه يحاكي ما يعيشه الفضاء الفني والسياسي بالأطلس المتوسط من توتر واحتجاج وصراع في التأويل والمواقف.
غير أن الاحتجاج الذي عرفته المنطقة في فترات سابقة كان يحمل أبعادًا وطنية وثقافية مرتبطة بالدفاع عن الهوية المغربية الأمازيغية ووحدة الوطن. ففي مرحلة ما بعد الاستقلال، استطاع الفن والسياسة والإعلام أن يشكلوا جبهة رمزية موحدة، كرّست قيم الانتماء والتضامن داخل الأطلس المتوسط، حيث لعب الفنانون والسياسيون والإعلاميون دورًا محوريًا في ترسيخ وحدة الكلمة والهوية.
وفي هذا السياق، تبرز سنة 1963 كلحظة دالة على تقاطع الفن بالإعلام والسياسة داخل الأطلس المتوسط، حين احتضنت منطقة حرشة تيداس بإقليم الخميسات لقاءً متميزًا جمع الزايغ محجوبي أحرضان، أحد أبرز الفاعلين السياسيين الأمازيغ الذي ارتبط اسمه بالحركة الشعبية، إلى جانبه عبد السلام بنعيسى، أحد الوجوه التكنوقراطية المعروفة بقبائل زمور، والذي احتضن تجربة الفنان حمو اليازيد. كما شهد اللقاء حضور شخصيات وفعاليات من زمور وزيان، ،ك المسناوي والماس والعيادي عين اللوح ..إفران وغيرها، استجابة لدعوة أحرضان في إطار برنامج إذاعي أمازيغي حضره شيخ الفنانين الغازي بناصر والإعلامي مولاي إدريس بنقاسم.
لم يكن ذلك اللقاء مجرد مناسبة عابرة، بل شكل لحظة رمزية تجسد العلاقة المتينة بين السياسي والإعلامي والفنان، في إطار الدفاع عن القضية الأمازيغية ووحدة زمور وزيان. كانت الحكمة حاضرة، وكان الاختلاف يُدار بروح جماعية، حيث ظل الفن وسيلة للتعبير عن الهوية لا أداة للخصام والانقسام.
وقد يتساءل القارئ: لماذا استحضار هذه الرواية اليوم؟
الجواب يكمن في التحولات التي تعرفها المنطقة، ليس فقط على مستوى السياسة، بل أيضًا على مستوى الخطاب الفني والاحتجاجي الذي فقد أحيانًا تلك الروح المعنوية والحكمة التي ميزت أهل الأطلس المتوسط. فبعد أن كان الفن والإعلام والسياسة يلتقون حول وحدة المنطقة والهوية، أصبح الفضاء الرقمي اليوم مسرحًا لصراعات وخصومات تفتقد للمعنى العميق الذي حمله الرواد.
ويحضر هنا ما عبّر عنه الفنان حمو اليازيد في إحدى تعبيراته الرمزية:
«إذا يدون إيثيسان أذمعبارن… ماخ إيس أسوا بوحشلاف ذ بوعذير»،ⴰⴷ ⴰⵢⴷⴷⵓⵏ ⴰ ⵢⵜ ⵉⵙⴰⵏ ⴰⴷ ⵎⵖⴱⴰⵔⵏ..ⵎⴰⵅ ⵉⵙ ⵉⵙⵡⴰ ⴱⵓ ⵃⵛⵍⴰⴼ ⴷ ⴱⵓⵄⴷⵉⵔ
وهو تعبير يعكس اختلال التوازن حين تتحول الأشياء عن معانيها الأصلية.
وفي خضم هذا الواقع، لفتت الانتباه صورة الأمين العام للحركة الشعبية محمد أوزين وهو يعزف على نغمات التراث الأمازيغي ويرقص على إيقاعات “أحيدوس” ⴰⵃⵉⴷⵓⵙ بمنطقة صفرو، مهد الحركة الشعبية وفضاء اليوسي، وامتداد الذاكرة النضالية المرتبطة بموحى أوحمو الزياني. فأن يعبّر السياسي عن انتمائه الثقافي والهوياتي أمر طبيعي، بل يحمل دلالة رمزية على استمرار الارتباط بالأرض والتراث. غير أن غير الطبيعي هو استمرار الاحتقان بين أبناء المنطقة الواحدة، وتحول الخلاف إلى صراع مفتوح بين فرقاء تجمعهم الجغرافيا والهوية والتاريخ المشترك.
كان الأجدر، في مثل هذه اللحظات، استحضار حكمة الرواد الذين جمعوا بين السياسة والإعلام والفن بروح الاحترام والتقدير المتبادل، كما حدث بين أحرضان وعبد السلام بنعيسى ومولاي إدريس بنقاسم في استضافة الغازي بناصر، حين صدحت العبارة الأمازيغية “ثيط إيذ يساران,
ⵜⵉⵟ ⴰ ⵢⴷ ⵢⵙⵙⴰⵔⴰⵏ
في لحظة تاريخية جمعت الفن والسياسة والرياضة داخل فضاء واحد.
أما اليوم، فقد تنكر كثيرون لهذا الإرث الرمزي، وأصبح الفضاء الإلكتروني مجالًا لتبادل الخصومات بدل إنتاج المعنى. وكان الأجدر بالفاعلين، سياسيين وفنانين، أن يعملوا على جمع الأصوات المتصارعة، لا تأجيج الخلافات. فالأطلس المتوسط، من أزرو إلى خنيفرة ووادي إفران الى اموزار، ليس مجرد جغرافيا متفرقة، بل مجال تاريخي وثقافي موحد، ظل عبر التاريخ قلعة صامدة في وجه الغزاة، وحاملًا لذاكرة جماعية قائمة على التضامن والانتماء.
وكما يقول الشاعر الأمازيغي:
«كويسارا أكتوف، يلي يتكا أنورار، ما غا يغ غاس يبوان لستوعيرن أوساي»، ⴽ ⵓ ⵢⵙⵙⴰⵔⴰ ⵓⴽⵟⵓⴼ ⴰ ⵍⵉⵜⴽⴰ ⵉⵏⵓⵔⴰⵔ. ⵎⴳ ⵢⴰⴳ ⴳⵙ ⵉⴱⵣⵡⴰⵏ ⵍⵙ ⵜⵓⵄⵉⵔⵏ ⵉⵡⵙⵙⴰⵢ
في إشارة إلى أن الحكمة لا تُبنى بالصراع، بل بالوعي والاتزان.
لذلك، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الضجيج، بل إلى استعادة روح الأطلس المتوسط كما صنعها الرواد؛ روح الفن الهادف، والسياسة الحكيمة، والإعلام المسؤول، دفاعًا عن هوية أمازيغية مغربية موحدة، وعن وطن يتسع للجميع.
