مالي ضحية تحالف الانفصال والإرهاب.

الوطن24/ بقلم: سعيد الكحل.
لم تعد مالي مجرد دولة تعاني من اضطرابات أمنية عابرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محور أساسي في معادلة إقليمية معقدة، تختلط فيها اعتبارات الجغرافيا بالثروات الطبيعية، وتتشابك فيها حسابات الفاعلين المحليين مع رهانات القوى الإقليمية والدولية. وما يزيد الوضع الأمني تعقيدا: شساعة مساحة مالي (حوالي 1.24 مليون كلم مربع)، هشاشة الدولة، ضعف قدراتها العسكرية. وتزداد التحديات مع حدود طويلة ومفتوحة، تمتد مع الجزائر لنحو 1376 كيلومترًا، ومع النيجر حوالي 828 كيلومترًا، ومع بوركينا فاسو قرابة 1325 كيلومترًا. هذه الامتدادات الجغرافية، التي تمر في معظمها عبر مناطق وعرة وقليلة الكثافة السكانية، تحولت إلى ممرات نشطة للجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
لكن العامل الجغرافي وحده لا يفسر تعقيد المشهد. فمالي، إلى جانب جيرانها في الساحل، تزخر بثروات طبيعية مهمة، في مقدمتها الذهب الذي يجعلها تحتل المرتبة الثالثة إفريقيا (بين 60 و 70 طن سنويا)، فضلًا عن احتياطيات من اليورانيوم والحديد والبُوكسيت والليثيوم. هذه الموارد، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية، أصبحت في واقع الأمر عنصر جذب إضافي للصراعات، سواء من قبل الجماعات المسلحة التي تسعى للسيطرة على مناطق الإنتاج، أو من قبل أطراف خارجية لها أطماع كبيرة في تلك الثروات.
في هذا السياق، جاءت الهجمات التي شهدتها مالي يوم 25 أبريل 2026 لتؤكد أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيدًا. إذ لم تعد العمليات تقتصر على مناطق نائية، بل امتدت إلى محيط العاصمة باماكو، وشملت أهدافًا عسكرية وسيادية، في هجمات متزامنة تعكس مستوى عالٍ من التنسيق والتخطيط والتسليح. مما يضع هذه الهجمات ضمن أوسع موجات العنف منذ انهيار الشمال عام 2012. هذا التحول يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الجماعات المسلحة على اختراق المنظومة الأمنية، بل وحول طبيعة الدعم اللوجيستي والاستخباراتي الذي أتاح لها تنفيذ عمليات بهذا الحجم (مشاركة حوالي 12 ألف عنصر إرهابي/انفصالي) وبهذا العمق حيث وصلوا إلى العاصمة باماكو، بعد سيطرتهم على مدينة كيدال الواقعة بإقليم أزواد، ومدينة غاو عاصمة منطقة كاغو على ضفاف نهر النيجر، وكاتي بالقرب من العاصمة باماكو. إلا أن اللافت هو هذا التحالف بين التنظيمات الإرهابية والحركات الانفصالية رغم تباين خلفياتها الإيديولوجية وأهدافها السياسية. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تتحرك ضمن أفق جهادي عابر للحدود المالية، بينما تتحرك جبهة تحرير أزواد ضمن أفق سياسي هوياتي مرتبط بإقليم جغرافي يضم الولايات الخمس (كيدال، جاو، تمبكتو، ميناكا، وتاودني) وينتهي عند الحدود الجغرافية لإقليم أزواد، ولا توجد أي نية للزحف جنوباً نحو العاصمة باماكو، وفق ما صرح به الناطق الرسمي للحركة، محمد المولود رمضان، لقناة “الحدث” مساء 2 مايو 2026.
لا يمكن فصل ما يجري في مالي عن محيطها المباشر. فدول الساحل، من النيجر إلى بوركينا فاسو، تواجه تحديات مشابهة، وقد أصبحت المنطقة بأكملها ضمن أكثر بؤر العالم تأثرًا بالإرهاب. وتشير الأرقام إلى أن هذه الدول تسجل نسبًا مرتفعة من ضحايا العمليات الإرهابية على المستوى العالمي (51 في المائة)، مما جعلها تحتل المراتب الأولى في مؤشر الإرهاب (بوركينافاسو الرتبة 2 حيث تسيطر التنظيمات الإرهابية على 70 % من مساحة الدولة، النيجر:3، نيجيريا:4، مالي:5).
الجزائر راعية الإرهاب والانفصال.
تتعدد أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين في دعم الانفصال والإرهاب في مالي. إذ اتهم وزير خارجية مالي، عبد الله ديوب، فرنسا من داخل الأمم المتحدة، بدعم الإرهاب قائلا: “فرنسا ارتكبت انتهاكات صارخة في المجال الجوي لمالي، قصد جمع معلومات استخباراتية هدفها زعزعة استقرار البلد.. وساعدت العديد من التنظيمات الإرهابية على الحفاظ على نفوذها بالمنطقة”. إضافة إلى قرار الحكومة الانتقالية المالية، في غشت 2024، قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا بعد أن اتهمتها بتزويد الإرهابيين بطائرات مسيرة (درون) وتقنيات قتالية مكنتهم من تنفيذ هجوم مسلح، أواخر يوليوز 2024، أسفر عن مقتل عناصر من فاغنر الروسية بالإضافة لخسائر فادحة في صفوف الجيش المالي. واتهمت مالي كذلك، النظام الجزائري بدعم التنظيمات الإرهابية والانفصالية والمس بسيادتها حين استضاف سنة 2023، زعماء الانفصاليين من حركة أزواد (على رأسهم محمود ديكو)، الذين تعتبرهم باماكو حلفاء للجماعات الإرهابية؛ كما قدمت السلطات المالية، في 2025، شكوى إلى محكمة العدل الدولية ضد الجزائر تتهمها فيها بـ “أعمال عدائية” وإسقاط طائرة مسيرة تابعة لجيشها في منطقة “تينزاواتين” الحدودية، مما اعتبرته انتهاكا لسيادتها. في نفس السياق، أشارت تقارير صحفية واستخباراتية إلى استغلال النظام الجزائري للإرهابيين والانفصاليين لزعزعة استقرار الدول وخدمة أهدافه التوسعية. فقد أوردت الصحيفة الايطالية “إل فوغليو” معطيات تفيد بوجود علاقات بين زعماء كل من “تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي” و ”حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا (MUJAO)” و”أنصار الدين” وجهاز المخابرات والأمن الجزائريين الذي كان يرأسه الجنرال رشيد لعلالي. ومن المعطيات التي أوردتها الصحيفة، أن هذه الجماعات تجد لها في مخيمات تندوف، وفي جبهة البوليساريو، مأوى لها، حيث تتلقى التداريب والسلاح. ومعلوم أنه سبق الكشف عن هذه العلاقة في تسريبات ويكيليكس الخاصة ببريد هيلاري كلنتون، حيث ذكر في إحدى المراسلات المسربة تواصل الجزائر عبر مخابراتها مع مختار بلمختار وحثه على توجيه ضربات عسكرية في شمال مالي وموريتانيا والأقاليم الجنوبية للمغرب في محاولة لزعزعة استقرار الإقليم بكامله.
ومن بين أبرز القيادات التي تسيطر عليها وتوجهها المخابرات العسكرية الجزائرية القيادي الحالي لجماعة نصرة الاسلام والمسلمين اياد اغ غالي المتزوج من جزائرية والقاطنة جنوب الجزائر تحت مراقبة الدرك والجيش الجزائريين بمعية مجموعة من أبنائه الذين يلتقون به بشكل منتظم بتنسيق استخباراتي جزائري. هذا فضلا عن أن معظم قيادات التنظيمات الإرهابية جزائريون (عبد الرزاق الملقب بعبد الرزاق البارا، الضابط السابق في قوات المظليين الخاصة بالجيش الجزائري، عبد المالك دروكدل (أبو مصعب عبد الودود) قائد الجماعة السلفية للدعوة والقتال قبل تحويلها لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.، مختار بلمختار (خالد أبو العباس)، ثم عدنان ابو الوليد الصحراوي أحد أهم امراء تنظيم داعش في منطقة الساحل كان عضوا في تنظيم البوليساريو، قبل الإعلان عن مقتله بطائرة بدون طيار بين 17 و22 غشت 2021، ثم أبو عبيدة يوسف العنابي، وهو جزائري الجنسية، زعيم تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.”ولعل الخبر الذي أوردته قناة “فرانس 24″، بخصوص دور الوساطة الذي قامت به الجزائر لتأمين انسحاب عناصر الفيلق الروسي المعروف بـ“فيلق إفريقيا” من مدينة كيدال بشكل آمن، عقب هجوم 25 أبريل، دليل آخر على علاقة النظام الجزائري بهذه التنظيمات الإرهابية والانفصالية. فالنظام الجزائري، ومنذ قررت السلطات المالية الاستغناء عن بعثة الأمم المتحدة (مينوسما) والتعاقد مع مجموعة “فاغنر” الروسية، ثم إنهاء العمل باتفاق الجزائر الموقع مع الجماعات الانفصالية الأزوادية سنة 2015، انخرط في المخطط التآمري ضد مالي بغرض ابتزازها والهيمنة عليها. وما أجج عداء النظام الجزائري للسلطة الحاكمة في مالي قرار هذه الأخيرة سحب اعترافها بالبوليساريو في مقابل اعترافها بمغربية الصحراء ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي.
تحذير مغربي وتهاون أممي.
أمام تمدد خطر الإرهاب والانفصال في منطقة الساحل والصحراء، حرص المغرب على تحذير الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي من المآلات الخطيرة التي ستؤول إليها الأوضاع الأمنية والإنسانية في المنطقة إذا ظل التجاهل سيد الموقف. ففي كلمته الافتتاحية بمناسبة الاجتماع الوزاري لـ”التحالف الدولي ضد داعش” بمراكش ماي 2022، نبه السيد ناصر بوريطة إلى أن “من يمول ويأوي ويدعم ويسلح الانفصالية يساهم، في الواقع، في انتشار الإرهاب ويقوض السلم والأمن الإقليميين”، وأن “التواطؤ على سيادة واستقرار الدول، بالإضافة إلى تضافر الوسائل المالية والتكتيكية والعملية، يفضي إلى إفراز تحالف موضوعي بين الجماعات الإرهابية ونظيرتها الانفصالية”. وهذا الذي تجسد في الهجوم على دولة مالي. فالمغرب معني مباشرة بما يجري في منطقة الساحل والصحراء، ويؤكد باستمرار أن استقرار منطقة الساحل هو جزء لا يتجزأ من أمنه القومي، وأن أي تهاون مع الانفصاليين يغذي التطرف. ورغم أن المشاركين في المؤتمر العالمي ضد داعش بمراكش (ماي 2022) “أعربوا عن قلقهم إزاء انتشار الحركات الانفصالية في أفريقيا، التي تقف وراء زعزعة الاستقرار وتعميق الهشاشة في الدول الأفريقية، مما يشجع في نهاية المطاف داعش وباقي التنظيمات الإرهابية والمتطرفة العنيفة” وفق ما جاء في البيان الختامي، إلا أن المجتمع الدولي لا يبادر إلى وضع إستراتيجية عملية لتطويق خطر الإرهاب والانفصال رغم المبادرات والبعثات والتحالفات التي تشكلت لهذه الغاية.
لقد بات واضحا أن الصراعات بالوكالة، والمنافسة على الموارد، وحرب المعلومات، والمناورات الدبلوماسية بين بعض القوى العالمية، قد أدت جميعها إلى تفاقم الهشاشة السياسية والعسكرية لبعض الدول الإفريقية. ففي منطقة الساحل والصحراء يظهر جليا الارتباط المباشر بين تنامي الإرهاب والفشل في مواجهته والسخط الشعبي الذي يُعدّ المبرر الرئيسي لكثير من الانقلابات. كل هذه العوامل تقوي التنظيمات الإرهابية وتعطي فرصا أكبر للتدخلات الخارجية. من هنا يعتقد مايكل كلير مؤلف كتاب ” الحروب على الموارد” “أن إفريقيا ستكون هي الهدف، وستكون مسرحًا للحروب القادمة بين القوى المتصارعة”.
لا جدال في أن المقاربات التي اعتمدتها الدول الغربية في مكافحة الإرهاب في إفريقيا لم تتصد إلى العوامل المسؤولة عن توفير البيئة الخصبة للتنظيمات المتطرفة ومنها الفقر، المجاعة، نهب الثروات، تغذية الصراعات الإثنية والانفصالية، ضعف تسليح جيوش المنطقة وتدريبها وتأهيلها لتكون مستعدة للمواجهة، عدم استثمار عائدات تلك الثروات في تنمية مجتمعات الساحل وخلق فرص الاستقرار والأمن. لكن المؤكد هو أن تمدد الإرهاب في الساحل والصحراء ووسط إفريقيا، لن يهدد الأمن والاستقرار في القارة السمراء فقط، بل في كل العالم.
