أنا ومحمود اللبدي وحصار بيروت؟ الحلقة الأولى

 الوطن24/ بقلم: مامون أسعد التميمي

 أكثر الذكريات التي لا تفارق ذاكرتي أو مخيلتي هي ذكريات معركة حصار بيروت التي استمرت ثلاثة أشهر، وأكاد أتذكر كل ساعة فيها، وأكثر الصداقات رسوخا ولا تنتهي ويبقى الحنين إليها قائم حتى الممات هي ذكريات رفقاء الحرب والسلاح أو المعركة ومن الرجال الذين لا يفارقون ذاكرتي الأخ محمود اللبدي رحمه الله وغفر له هذا الرجل كان هو الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية طوال المعركة أو بالأصح الناطق الشامل للمعركة فلم يكن هنالك ناطق غيره طوال الحرب، كان رجل شجاع ذا قلب حديدي لا يخشى الموت

 فلسطيني مخلص لقضيته حتى النخاع  مثقف ويتكلم عدة لغات، كان قبل معركة حصار بيروت مسؤول الإعلام الخارجي   ولم أكن أعرفه قبل الحرب، ولم اصدفه ولكن أثناء الحرب كان رفيقي طوال أيام الحرب فلقد كان مقرة الصحفي تحت مسؤوليتي العسكرية في أول أيام الحصار كنت البي أنا ومجموعاتي كل ما يطلبه من احتياجات وكان دائما يطلب أن نعمل له معرض لمخلفات الصواريخ والقذائف التي كانت إسرائيل تحرق بها بيروت حرقا فعملنا له في العمارة التي تقابل عمارة الإعلام في آخر شارع عفيف الطيبي معرض من مجموعة من البراميل وضعنا فوقها شظايا القذائف الفسفورية  والانشطارية والفراغية والعنقودية  والمسمارية، وكان أول ما يقابل الصحفيين يتركهم يصورون هذه المخلفات وهو يقول لهم كل ما تشاهدونه هي أسلحة محرمة دوليا وكلها منضبه باليورانيوم ثم ينتقل بالصحفيين وأكثرهم من مصوري القنوات الإخبارية العالمية ويحملون كاميرات تصوير تلفزيونية ينتقل بهم إلى الخارج مقابل مسجد جامعة بيروت العربية من جهة الشمال الغربي باتجاه  الكولا وليس أمام مسرح الجامعة الذي شهد كل احتفالات الثورة الفلسطينية وكل خطابات أبي عمار رحمه الله  هذا المسرح كان  أمامه  عمارة أبو اياد التي دمرها الطيران الإسرائيلي حيث، كنت أضع أنا ومجموعاتي القتالية  حاجز عسكري أمامه كانت المجموعات التي تحت امرتي معظمهم من الطلبة المتطوعون  ومع طول المعركة وجرح عدد منهم واستشهاد البعض هرب معظمهم  بعد أن انهارت معنوياتهم واستجابوا للمنشورات الإسرائيلية التي كان يسقطها علينا الطيران الإسرائيلي  ويقول فيها أيها المسلح قف وفكر أن قيادتك هربت وتركتك تواجه مصيرك  فلماذا تدافع عن قيادة هاربه، جيش الدفاع الإسرائيلي يتعهد لك إن تركت سلاحك وقررت أن تغادر بيروت أن  يؤمن لك الطريق السالكة ولا يعيق خروجك أذهب والتحق باهلك واحبابك 

 الذين ينتظرونك قبل ان تدفع حياتك في معركة خاسرة ومحسومه ثم يضع  خريطة الطرق التي يغري فيها ضعاف النفوس للخروج ولذلك تفاجئت في ليلة كانت سبقت يوم من أصعب أيام الحصار وهو يوم الأحد الأسود حيث قصفنا شارون بمتان وخمسون ألف قذيفه في يوم واحد تفاجئت في تلك الليلة بعد أن صحيت من النوم على صوت القصف الجنوني فوجدت  بندقتين  من البنادق بذخائرها وجعبها قد اركنت على حائط مدخل العمارة التي كنا نتمركز فيها وقد تركوا لي فيها ورقه كتب عليها الأخ أبو عبيده وكان إسمي الحركي في المعركة لا تقلق علينا  ونتمنى لك السلامة حفظك الله وقواك وإلى اللقاء  عندها صعقت فكانت ليلة ليلاء بلا أنيس ولا جليس  ولا رفيق سوى صوت الصواريخ التي كانت تتساقط كالمطر  وتهز الأرض من تحت اقدامي كأني في زلزال لا يتوقف ورغم ذلك بقيت اقيم الحاجز لوحدي إلى أن مرت علي سيارة عاديه وبسيطة جدا فيها ثلاثة من أعضاء اللجنة المركزية  فأوقفت سيارتهم  فقالوا لي  أين المقاتلين الذين معك بالحاجز؟ فقلت لهم طاروا ولم يبقى إلا أنا فضحكوا من كلمة طاروا وقالوا لي لا يعمي حرام تقف في الحاجز لوحدك الغي الحاجز أو أحضر مقاتلين معك يساعدوك على الحاجز، وكانوا صادقين فلو مرت علي سيارة مشبوهة لقتلتني بمجرد أن اقترب منهم فقررت أن الغي الحاجز وبعد أن أصبحت وحيدا انضممت إلى شخص اسمه إبراهيم طه  مرابط وحده في نفس المحور امام مكتب الأرض المحتلة حيث كان يعمل فيه وكان رجل شجاع ولكن بلا عقل، ومن ذلك اليوم تعززت علاقتي بمحمود اللبدي وخصوصا بعد أن أمضى معي عدة ليالي محاصرا في المنطقة ولا يستطيع مغادرتها بسبب شدة القصف وكان ينام في سيارته التي وضعها في كراج سيارات في احدا البنايات وكنت أذهب واغلي الشاي والعشاء واحضره وكان الليل طويلا ليفرد لي الكثير من مذكراته وأفرد له الكثير من مذكراتي فأصبحنا أصدقاء، رغم فارق السن بيننا الذي قد يصل إلى عشرين عاما كان رجلا دمثا متواضعا  مرحا وصادق وشجاعا، وفي أحد الأيام تفاجئت منه أنه طلب مني أن أقف إلى جانبه في كل مؤتمر صحفي يقيمه للصحفيين من غير سلاح، وفي يوم قال لي ضع سيجارة في فمك فوضعتها فقام بإشعالها لي بيده  فأصبح الصحفيون يوجهون لي الأسئلة كما يوجهونها له فأقول لهم هو الموكل الوحيد بالكلام، وفي يوم تأخر عن الصحفيين وأرسل لي  أن أقوم بجولة مع الصحفيين ليصوروا حجم الدمار  على أن ابعدهم عن المواقع العسكرية وفعلا طفت بهم  في المدينة الرياضية والفكهاني أي في المربع الذي تتواجد فيه معظم مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها وتسمى جمهورية الفكهاني وكان معي كلب يلاحقني ويرفض أن يفارقني ويبدوا أن هذا الكلب من الكلاب الاهلية التي تعيش داخل البيوت ولما هرب أصحابه إلى خارج منطقة الجحيم التي نحن بها يبدوا أنهم تركوه لكي لا يكون عبئ على مضيفيهم،  فلما لم يجد أصحابه استوحش وأخذ يبحث عن  أي رفيق يقبله من البشر وبمجرد أن ناديت عليه لأطعمه بعض اللحم وكان عندي التموين يصلني طوال أيام الحرب بلا انقطاع وكان كثير وكنت أخبر  سيارة التموين أن يختصروه إلى خمسة أشخاص لكنهم كان يأتونه كما كان من بداية الحصار لمئة شخص فكنت اوزعه على اللاجئين في الملاجأ القريبة،  ولما اتكاسل عن توزيعه  ويخرب كنت ارميه للكلاب والقطط فلما شاهدته جاءني مسرعا يراقص ذيله ولما اطعمته بيدي تقدم نحوي يريد أن يعانقني فأبعدته خوفا من نجاسته ولكنه ابهرني لما مد يده يصافحني كما دربه اصحابه وهو  يرقص ويقف على قدميه  وكان كلب كبير وليس صغير وأثناء تجوالي مع الصحفيين لأريهم الدمار قمت الاعب الكلب فوقف يصافحني أمامهم ويقفز ويضع يديه على صدري وهو يهز ذنبه نظرت إلى الصحفيين فوجدتهم جميعا يصورون المشهد باهتمام شديد حتى أن شقيقي بشار دائما يذكرني بهذا المشهد وكنت في تلك الفترة كلما ظهر محمود اللبدي على التلفزيون اظهر معه فيعرف اهلي انني لا زلت حيا، وفي هذا اليوم طلب مني الصحفيين أن أمثل لهم بعض مشاهد القتال وذلك لأنهم ممنوعين من الوصول إلى خطوط التماس خوفا على حياتهم فلبيت لهم ما طلبوا وطلبت منهم أن يدخلوا معي استاد كرة القدم فأخذت أطلق الرصاص وارمي القنابل في المدرجات المدمرة والصحفيين يلاحقوني وكأني أمثل فيلم اكشن فلما عدت واخبرت محمود اللبدي بما فعلت ضحك وقال لي أنت عملت ارباك لمن يشاهدوك على التلفزيونات فمرة يشاهدونك تقف معي من غير سلاح ومرة يشاهدونك تقاتل، فسيسالون أنفسهم لماذا التركيز على هذا الشخص وفعلا لما عدت إلى عمان وجدت لي شهرة عجيبة حيثما ذهبت لم اتوقعها أبدا حتى لما كنت أزور الجامعة الأردنية التف حولي الطلبة والطالبات يصافحوني ويجاملوني بكلمات لم اتوقع في حياتي أن أسمعها، بعد انتهاء الحصار وقرار خروجنا من بيروت  إلى سبعة من الدول العربية وهي الجزائر وتونس والعراق واليمن الشمالي واليمن الجنوبي والأردن هذا الخروج الذي أشرفت  عليه أمريكا وفرنسا وإيطاليا خرج محمود اللبدي برفقة الرئيس الشهيد أبو عمار إلى تونس وخرجت أنا أيضا إلى تونس، ولما عدت إلى عمان  ذهبت لألتقي بالرئيس الشهيد أبو عمار  في قصر الضيافة على الدوار الرابع، لأطلب منه التدخل مع الحكومة الأردنية للإفراج عن والدي الذي كان معتقل في سجن المحطة، ومحكوم عليه ستة أشهر وعلى شقيقي الشيخ نادر سنه  بسبب خطبة  العيد التي خطبها والدي   في ساحة المدارس في جبل نزال وقد حضرها حوالي سبعون ألف بعد مجزرة صبرا وشاتيلا هاجم فيها الحكام العرب بأسمائهم وأخذ البيعة الجماعية من الجماهير على الجهاد وكان في وقتها  قد أنشأ حركة الجهاد  منذ سنتين فاعتقلوا معه كل مجلس الشورى للحركة ولقد قضى الوالد وشقيقي الشيخ نادر فترة الحكم كاملة في سجن المحطة وقسم منها في زنازين المخابرات، وأثناء دخولي إلى قصر الضيافة فاذا  بمحمود اللبدي يقف أمامي فتعانقنا بحرارة ودخلنا عند الرئيس معا، وكان ذلك اللقاء آخر لقاء بيني وبين محمود اللبدي أبو طاهر ومرت الأيام وجاءت حرب طرابلس وحرب المخيمات التي شنها النظام السوري ضد الثورة الفلسطينية لمنعها من العودة إلى الجنوب اللبناني، وانشقت حركة فتح بتحريض من النظام السوري الذي استعل التململ الحاصل في الحركة بسبب بعض القيادات وبعض التصرفات، وكان من بين الذين انشقوا محمود اللبدي فصعقت لما علمت بالخبر كيف وقع هذا الرجل المناضل المخلص في حبائل النظام السوري إلا وأنه وبعد اكتشاف المؤامرة بعد معركة نهر البارد ومخيم البداوي عاد لصفوف حركة فتح وغفر له الرئيس الشهيد أبو عمار وأعاد له وضعه السابق  رحم الله محمود اللبدي الذي وافاه الأجل داخل الوطن في عام 2014 يتبع في حلقة جديدة  بعنوان  مجانين في العيشيه؟