إختلال التوازن يدفع إلى الإنتقال من عالم الدنيا إلى عالم الأخرى

الوطن 24/ مليكة العرابي


مليكة العرابي

كثيرة هي القصص التي تدفع بالإنسان إلى الإنتحار وقتل نفسه والذي يعتبرها أفضل وجهة يقصدها للتخلص من ما ضاقت به نفسه ليعبر عن ردة فعله بعد ضغوطات نفسية وربما إجتماعية تستهدفه لينتقل إلى العالم الأخر عالم الأموات.

الضغط يولد الإنفجار ويرجع إلى إختلال التوازن بين الأمل واليأس بتغلب الأخير، ومن باب اليأس نفتح بابا أوسع يشمل ضعف الإيمان بالله والهروب من المشاكل منها النفسية والمادية ليصل الإنسان إلى الإكتئاب التي هو لسيق بالمجتمع الأحفوري، ولما يتراكم الإكتئاب يصل إلى درجة الرغبة في الخلاص وقتل النفس ويمكن القول بأن قتل الآخرين (جرائم المجتمع) هو قتل النفس بطريقة غير مباشرة والذي يعتبر الإنتحار الغيرالمباشر يعني موت إنسانية الإنسان فيصبح تابوتا بقدمين.

فيفضل الإنسان قتل نفسه بدل إرتكابه لجرائم أخرى في حق آخرين، كما يرى بعض الأخصائيين لهذه الظاهرة أن الإشكاليات التي تؤرق المجتمع المغربي والتي تتضاعف في صفوف مختلف الفئات العمرية في الآونة الأخيرة لأسباب وان اختلفت في طبيعتها تتوحد حتما في ثقلها وربما يعتبر الإنتحار هو السبيل الوحيد للهروب من مجتمع يحمله مسؤولية ما يحصل.

الإنتحار في المغرب هل يرجع إلى عقد نفسية أو رفض لواقع مجتمعي؟

مجمل التصريحات التي توصلنا إليها في هذا الموضوع، من قبل مختلف الفئات العمرية، يعبر فيها البعض عن الإجماع النسبي الذي يفيد أنها أسباب ترجع بالأساس إلى الإفتقار للعدة المعنوية المتماسكة، والكفيلة بجعل الإنسان يحسن التأقلم مع مختلف المشاكل التي تتهدده في الحياة.

سألنا مجموعة من الشباب، عن الأسباب التي تدفع الفرد إلى الإقدام على هذا السلوك الذي أسماه البعض منهم “بالغير الواعي”، فكانت إجابة أحدهم على النهج الآتي”لا يجب أن نلقي اللوم دائما على المنتحر كونه يقدم على فعل جنوني، وننسى أن هناك من يلجأ لهذا السلوك إكراها وليس اختيارا، من قبيل البعض الذين يعانون من الأمراض العقلية والإضطرابات النفسية، التي لا تنشأ من فراغ إنما قد تكون نتيجة التعرض في الصغر لصدمات أخفق الزمن في محوها، كالتعرض للإغتصاب مثلا، بغض النظر عن الإضطرابات التي تكون وراثية، كالإنفصام أو الوسواس القهري الذي يتربع أساسا وراء إنتحار المراهقين على وجه الخصوص.

وفي نفس الإطار دائما وبمعية ذات المجموعة من الشباب، تدخلت شابة عشرينية، بإندفاعية كبيرة، ودون سابق إنذار يؤشرعلى رغبتها في تضمين رأيها، لتسلط بذلك الضوء على أهم عامل يؤجج الإشكالية بقولها، “قد تؤدي الصراعات الأسرية المتكررة، وبالأخص بين الوالدين، وأيضا عيش الطفل المراهق مع زوجة أب قاسية أو زوج أم قاس، وتعرضه للضرب والإيذاء والحرمان العاطفي..، إلى وقوعه في الإكتئاب ومن ثم التفكير في وضع حد لحياته”.

وأردفت نفس المتدخلة بقولها “إن الفقر أيضا يساهم وبحدة في تفاقم هذه الظاهرة، وليس الحديث يجري هنا عن الفقر المتوارث، إنما ذاك الذي يجنيه الشاب العاطل بعد تحصيل علمي استمر لسنوات تشهد عليه الشواهد التي حصل عليها، والتي ما أغنته في شيء سوى أن ألحقته بلائحة المعطلين”.

منظمة الصحة العالمية كانت قد دقت ناقوس الخطرعن قلقها إلى أن تؤدي الأزمة الإقتصادية العالمية إلى إرتفاع حالات الإنتحار، خاصة بعد تفشي الظاهرة في الآونة الأخيرة في صفوف المعطلين، وأولئك الذين فقدوا مناصب عملهم لأسباب إقتصادية.

إن من بين الأسباب التي قد تؤدي إلى قتل النفس هو الفشل بمختلف أشكاله، كالفشل المادي المتمثل في عدم القدرة على سداد الديون، والتعرض للخسائر، إضافة للفشل الدراسي كما يتضح الأمر كلما إقتربت إمتحانات الباكالوريا، أو عقب الإعلان عن النتائج ندرك حينها أننا سنكون على موعد غير مخلوف، مع الكثيرمن الضحايا من الشباب اليافعين الذين يأبون قبول الرسوب. ثم الفشل العاطفي والإجتماعي، وكذا المهني المتمثل في عدم القدرة على تأمين وظيفة كريمة والإجتهاد في ضمان الحفاظ عليها”.

وكذلك فقد سبق لأخصائيين مغاربة أن حذروا من غياب الأطباء النفسيين المتخصصين في علاج الأطفال بالمغرب، في ظل معلومات تفيد أن طفلا يبلغ من العمر 8 سنوات، يبدأ بالتفكير في الإنتحار، وأيضا في ظل غياب الرعاية النفسية في المدرسة والمجتمع، الأمر الذي يترجم عدم حسم هذا الأخير في تبني ثقافة تعنى بالشأن النفسي.

تشير الدراسة نفسها إلى أن غير الأطفال والمراهقين من أصبح يتعرض لهذه الظاهرة بل فئات مسئولة منها موظفين أساتذة وأئمة…، كما وقع خلال هذه الأيام ببني ملال مثلا فهم الأكثر إقداما على الإنتحار الآن، ربما هو الفصام العقلي والإكتئاب والكثيرمن الأمراض، وتبين الكثيرمن التقاريرالدولية أن الإنتحار يرجع إلى الكساد الإقتصادي الذي قد يؤدي إلى تغيير الأمور وإنحرافها عن المسار الذي يتوقعه الناس، ما يدعوا إلى الإحباط وهو بالتأكيد أمرله تأثيره على زيادة معدل الإنتحار.

ومن الحب ما قتل وهو من أبرز دوافع الإنتحار بعد فقدانه، ومن القصص المؤثرة فعلا، والتي تستدعي الكثير من التأمل هي قصة مريم، الشابة التي تقطن بحي الأمل بمدينة تامسنا، تبلغ من العمر 19 سنة، أطلعنا أفراد من أسرتها على تفاصيل جد بليغة في الألم، هي فتاة أختارت بمحض إرادتها التخلي عن الدراسة لتلازم البيت.

 شاءت الأقدار بعد حين أن تتعرف على شاب يكبرها بست سنوات، كان يشتغل كحارس ليلي بإحدى الشركات، جمعت بينهما علاقة حب كبيرة في السر والخفاء طبعا ودون علم والديها على حد تعبير الأخت التي تكبرها سنا، “كانت ديما كتبغي غي السبة باش تخرج تشوفو” هذه كلمات تلفظت بها أسماء الأخت الأكبر لمريم، حسب تصريحات أخرى تبين أن الشاب واعدها بالزواج في عطلة الصيف المقبلة، غير أنه أخلفها الوعد، دون سابق إنذار، لم تتحمل فقررت أن تضع حينئذ حدا لحياتها، وألقت بنفسها من الطابق الثالث، إلى أن فارقت الحياة.