الجامعة العمومية في المغرب بين فضائح الفساد وتدهور الثقة… والمطالب ترتفع لتدخل ملكي عاجل.

الوطن24/ خاص
تعيش الجامعة العمومية في المغرب واحدة من أسوأ مراحلها، بعدما أصبحت عنواناً للتدهور المتسارع والانحرافات الخطيرة التي تهدد مصداقية التعليم العالي الوطني. فبعد تفجر فضيحة “بيع الشهادات الجامعية” بكلية الحقوق في أكادير، والتي دفعت الدولة إلى الانتصاب طرفاً مدنياً أمام القضاء عبر الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، توالت فضائح أخرى تؤكد أن الجامعة العمومية أصبحت تعيش حالة مزمنة من التفكك المؤسسي والانهيار الأخلاقي.
وكان موقع “الوطن24” قد سبق أن أماط اللثام عن توظيفات مشبوهة بكلية مرتيل التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، حيث تم تسجيل خروقات جسيمة في مساطر الانتقاء، مما يعزز الشكوك حول استشراء منطق الزبونية وتوزيع المناصب على أسس غير علمية. كما تعيش كلية الحقوق بسلا وضعاً مماثلاً، وسط حديث عن تحكم لوبيات داخلية في دواليب التسيير، حيث يتهم العديد من المتتبعين لوبيًا نافذًا من شعبة القانون الخاص بالتحكم في استقطاب العميد وتوجيه قرارات الكلية بما يخدم مصالحه الخاصة، بعيدًا عن معايير الشفافية والكفاءة وتكافؤ الفرص بين مختلف الشعب.
الدولة التي تنتصب طرفا مدنيا من خلال مؤسساتها الدستورية لا يجب أن تتوقف عند جريمة بيع الشواهد الجامعية في أكادير لأنه سبق أن أثيرت قضايا مماثلة في جامعات أخرى على امتداد التعليم الجامعي المغربي، سواء تعلق الأمر ببيع الشواهد والتلاعب بالامتحانات أو الجنس مقابل النقط وغيرها من الممارسات التي تطعن في مصداقية الجامعة المغربية، فماذا يتبقى من تعليم وفكر ومعرفة وسمعة بين الأمم إذا فقد المغرب قلاعه التعليمية؟ لا بد إذن من استعادة الثقة في منظومتنا التعليمية عبر تطهير الجامعات من شبكات الفساد الجامعي، لأن القادم، إذا تم إقبار البحث التفصيلي الشامل، هو أن يفقد المغرب الاعتراف الدولي بتعليمه العالي ومعادلات شواهده الجامعية.
وإذا كان الفساد الإداري مقلقًا، فإن الأخطر منه هو ما بات يُعرف إعلاميًا بـ”الجنس مقابل النقط”، والذي هز صورة الجامعة المغربية داخلياً وخارجياً، خصوصاً بعد ما جرى كشفه في جامعة الحسن الأول بسطات، ثم لاحقاً في جامعة محمد الخامس بالرباط. هذه الممارسات التي تطعن في الشرف الأكاديمي والأمانة العلمية، دفعت العديد من الأسر المغربية إلى فقدان الثقة في الجامعة العمومية، ودفعت الميسورين إلى اللجوء نحو الجامعات الخاصة، تاركين أبناء الفئات الفقيرة يواجهون مصيراً مجهولاً.
ولا تقف التجاوزات عند هذا الحد. فقد أثارت تصريحات متداولة عن “وجبات فاخرة” نظمها وزير التعليم العالي عبد اللطيف الميراوي في أحد الفنادق الفخمة بالرباط، الكثير من الجدل حول أولويات القطاع، في وقت تعاني فيه معظم المؤسسات الجامعية من ضعف البنية التحتية، وندرة التأطير، ورداءة الخدمات.
إن الجامعة المغربية، التي كانت ذات يوم منارة للعلم ومشتلاً للنخب، أصبحت اليوم ملاذاً للفضائح ومسرحاً لتصفيات غير علمية، وسط صمت غير مبرر من المسؤولين. الدولة مطالبة بفتح ملفات باقي الجامعات دون انتقائية، ومعالجة أصل الداء لا مظاهره فقط. لأن الاستمرار في التغاضي عن هذا الانحدار، قد يُفقد المغرب الاعتراف الدولي بشهاداته الجامعية، ويقوّض صورة التعليم الوطني بين الأمم.
لقد بات ضرورياً اليوم تدخّل ملكي مباشر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لأن ما يجري يتجاوز الاختلالات التقنية والإدارية، إلى ضرب مباشر لروح الجامعة العمومية، وحرمان لأبناء المغاربة البسطاء من الحق في تعليم نزيه وذي جودة. الجامعة ليست مجرد بنايات إسمنتية، بل هي رهان وطني ومستقبل بلد.
