الكنبوري يكتب: تجربة في الاستلحاد

الوطن 24/ بقلم: الدكتور إدريس الكنبوري

قضية الإلحاد أصبحت تخضع للمزايدة، بل هكذا هي عند الكثيرين. لكن للأسف تتحول عند البعض إلى عرض مسرحي. ولنقلها بصراحة.

أنا كمسلم ضد الإلحاد، لكني مع حق الإنسان في أن يلحد. وعندما وضع صديقنا (م) شريطا يقول فيه إن لديه شكوكا في الإسلام جعلته يعيد النظر في … إيمانه، تابعت الشريط كاملا فأصبحت أنا أيضا أشك، هل الرجل جاد فعلا؟ لأن المبررات التي ذكرها مضحكة جدا ولا تليق بشخص كبير في السن بل ولا بشاب صغير.

وبحكم العلاقة بيننا وبحكم الواجب دخلت إلى الخاص وكلمته. مما قلته له أن المبررات مضحكة، فرد بأن تلك مجرد عينة لتساؤلات أخرى لم يجد من يجيبه عنها، فكان ردي أنه إذا كان حقا لديه تساؤلات “حارقة” كما يقول فأنا مستعد للحوار معه بهدوء وعلى مدى أيام. ثم قلت له: إذا كانت هناك ظروف خاصة في الغربة دفعتك إلى هذا للبحث عن مخرج فأنت على خطأ.

المهم أخونا بدا أنه متردد لا يريد حوارا ولا هم يحزنون، فطلبت منه شيئا أساسيا، قلت له: فكر في تساؤلاتك إنما أطلب منك شيئا، هو أن لا تتسرع في الإجابة. ولكن الرجل أغلق الحوار.

بعد يومين أو ثلاثة فوجئت بأن صديقنا يكتب تدوينة يقول فيها إنه لن يعود إلى الموضوع وإنه سيحتفظ بتساؤلاته لنفسه فقط. وكانت هذه السرعة غريبة جدا بالنسبة لي، لأنها تدل على تذبذب، إذ الاحتفاظ بالتساؤلات موقف غامض، لا يدل على موقف، هل هو تراجع عن البحث عن الإجابة، أم الوقوف في الوسط لا التراجع ولا التقدم، أم مواصلة البحث سرا؟

بعد ذلك بيومين أو ثلاثة يكتب صديقنا العزيز بأنه خاض تجربة وأنه إذا فكر في نشر تجربته في كتاب فسيجد الكثير من التدوينات التي كتبت عنه.

وقد زادني هذا استغرابا فضربت أخماسا في أسداس. كيف تحول كلام في الفيسبوك إلى “تجربة” بعد خمسة أيام؟ هل هذا فعلا إلحاد أم استلحاد؟ لماذا هذه السرعة التي تدل على الخفة وعدم الجدية؟ وهل كان صاحبنا يبحث عن بطولة وأراد “توظيف” من كتبوا عنه بحسن نية لتعزيز تلك البطولة؟.

والأكثر غرابة عندي هو أن صديقنا منذ البداية بدأ متذبذبا، وجاء ببدعة عجيبة. فهو قال إن لديه شكوكا وتساؤلات، ولم يطلب حوارا فيها بل وقف في الوسط، ليس ملحدا وليس مؤمنا بل شاك، وأصحاب الشك لا يقفون عند شكهم بل يبحثون إما لتأكيد هذا الرأي أو ذاك، ولكن صديقنا شك فقط ثم تراجع عن الشك وصارت لديه تجربة، فهل هي تجربة في الشك أم تجربة في الإلحاد؟.

الإلحاد في هذه السن إذا حصل فمعناه أن هناك تساؤلات كبرى حقيقية شغلتني على مدى طويل نسبيا، وعندما أعلن موقفي لا يكون ذلك إلا بعد الفشل في الحصول على جواب.

نخشى أن يصبح الإلحاد استلحادا، من استلحد يستلحد استلحادا، مثل ألحد يلحد إلحادا، أي تعمد الإلحاد فقط دون قناعات ثابتة بل لغايات أخرى.

أكتب هذه الكلمات حتى لا يقال بأن لا أحد تطوع للحوار.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.