المغرب أمام اختبار الأولويات.. هل تعكس ميزانية 2026 البالغة 762 مليار درهم تطلعات المواطنين؟

أعاد تداول منشورات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي في المغرب النقاش حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، بعدما ركزت على الرقم الإجمالي للميزانية، الذي يناهز 762 مليار درهم، وربطت بين تدبيرها وبين الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، وهو ما أثار تفاعلاً واسعًا بين مؤيدين يعتبرون المرحلة تتطلب تعبئة مالية غير مسبوقة، ومنتقدين يرون أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين الظروف الاجتماعية للمواطنين.

وتعد ميزانية سنة 2026 من أكبر الميزانيات في تاريخ المملكة، في ظل التزامات مالية واستثمارية متزايدة، تشمل مواصلة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، والاستعداد للاستحقاقات الرياضية الدولية، وتعزيز الاستثمار العمومي، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، إلى جانب النفقات المرتبطة بالتعليم والصحة والدفاع وخدمة الدين العمومي.

ورغم ضخامة الرقم، يؤكد خبراء المالية العمومية أن الميزانية العامة ليست أموالًا يتصرف فيها شخص بمفرده، بل تخضع لمساطر دستورية دقيقة، تبدأ بإعداد مشروع قانون المالية داخل الحكومة، ثم مناقشته والتصويت عليه داخل البرلمان، قبل مراقبة تنفيذه من طرف مؤسسات الرقابة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات.

غير أن الجدل الذي أثارته الأرقام المتداولة يكشف عن أزمة ثقة حقيقية بين جزء من الرأي العام والمؤسسات، إذ يتساءل كثير من المواطنين عن الأثر المباشر لهذه الميزانيات الضخمة على حياتهم اليومية، في ظل استمرار تحديات ترتبط بجودة الخدمات الصحية، والاكتظاظ داخل المؤسسات التعليمية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.

وفي المقابل، ترى الحكومة أن المغرب يعيش مرحلة استثنائية تتطلب استثمارات كبرى لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتأهيل البنيات التحتية، والاستعداد لاحتضان تظاهرات عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، معتبرة أن هذه المشاريع تمثل استثمارًا طويل الأمد ستكون له آثار اقتصادية وتنموية مهمة.

لكن أصواتًا عديدة داخل النقاش العمومي تؤكد أن نجاح أي سياسة مالية لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وبقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين المشاريع الكبرى وتحسين الخدمات الأساسية، بما يضمن أن يشعر المواطن بثمار النمو الاقتصادي داخل المستشفى والمدرسة والإدارة وسوق الشغل.

وفي انتظار إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2026 على البرلمان ومناقشة تفاصيله، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه في المغرب: هل ستترجم هذه الميزانية القياسية إلى تحسن ملموس في جودة عيش المواطنين، أم سيظل الجدل حول أولويات الإنفاق العمومي حاضرًا بقوة مع كل مشروع مالي جديد؟

وبعيدًا عن الشعارات والمنشورات المتداولة، تبقى الأرقام الرسمية، والنقاش البرلماني، وآليات الرقابة الدستورية، هي المرجع الأساسي لتقييم كيفية تدبير المال العام ومدى تحقيقه للأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظرها المغاربة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *