المغرب : احتقان داخل كلية الحقوق أكدال … و الطلبة يبدون تخوفهم من مستقبلها

يعيش طلبة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال حالة من الترقب والاستنفار، على إثر تسرب أخبار تفيد بوجود مسطرة شكلية لاختيار عميد جديد، يُقال إنه قد تم الحسم فيه مسبقاً، ومن خارج الكلية. وتثير هذه الأنباء مخاوف حقيقية بشأن تغييب روح الدستور والمعايير القانونية الجاري بها العمل، وكذا الأعراف الأكاديمية المعتمدة وطنياً ودولياً في اختيار مسؤولي المؤسسات الجامعية.
تُعد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال مؤسسة أكاديمية ذات خصوصية دقيقة وتركيبة بشرية ومهنية تتطلب على رأس إدارتها عميداً يتمتع بمؤهلات استثنائية تجمع بين الكفاءة العلمية العالية، والخبرة التدبيرية الرصينة، والقدرة على استيعاب تعقيدات المرحلة ومتطلبات التسيير الأكاديمي والإداري، بما يضمن استمرارية الأداء الفعّال، وسلاسة في معالجة مختلف الملفات، وعلى رأسها شؤون الطالبات والطلبة.

وفي ظل الحديث عن تعيين عميد جديد للكلية، وجد الطلبة أنفسهم وسط حالة من التوجس والقلق، بسبب ما يُتداول حول إمكانية فرض اسم من خارج المؤسسة دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها وهويتها المتجذّرة، وهو ما من شأنه أن يكرّس حالة من اللايقين، ويفتح الباب أمام الإحساس بالتهميش لدى مكونات الكلية، ويقوض الثقة في مسار ديمقراطي وشفاف في اختيار القيادة الجامعية.
لقد عبّر عدد من طلبة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال عن استغرابهم العميق من التناقض الصارخ بين ما يتلقونه من دروس نظرية في قاعات المدرجات، خاصة في ما يتعلق بالمنظومة القانونية والمؤسساتية القائمة على مبادئ الشفافية، وتكافؤ الفرص، والاستحقاق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وما يعايشونه في الواقع العملي من ممارسات تطيح بهذه المبادئ، وتفرغها من مضمونها.

هذا التباين بين النظرية والممارسة، يخلق لدى الطلبة شعوراً بالإحباط، ويطرح تساؤلات عميقة حول جدوى التكوين القانوني في غياب انسجام بين ما يُدرّس وما يُطبق، كما يبعث برسائل سلبية حول مسار الإصلاح الجامعي وصدقية المؤسسات في احترام مقتضيات دولة القانون.

وحسب المعطيات المتداولة، فإن عدد المرشحين من داخل الكلية يتجاوز تسعة مترشحين، يتمتع أغلبهم بكفاءات علمية ومهنية مشهود لها، وتجربة طويلة في تدبير الشأن الجامعي. وهنا يطرح الطلبة تساؤلات مشروعة: هل يُعقل أن كل هذه البروفيلات، التي تمثل الكلية من داخلها وتعرف تحدياتها وخصوصياتها، غير مؤهلة لتحمل مسؤولية عمادة المؤسسة؟ وهل يتم فعلاً اختيار القيادة الجامعية على أساس معايير علمية وتدبيرية نزيهة، أم أن منطق الولاءات والقرارات المسبقة يطغى على المصلحة العامة ومستقبل الطلبة؟

هذه الأسئلة تعكس توجساً حقيقياً في صفوف الطلبة بشأن مستقبل مؤسستهم، وتؤكد الحاجة إلى إعمال مبدأ الشفافية في مساطر التعيين، بما يضمن اختيار عميد يستجيب لانتظارات الكلية ويكرّس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة.
إن أي تلاعب في مسطرة اختيار عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال من شأنه أن يُهدد مصداقية المؤسسة ويُعرض مكانتها الأكاديمية والتاريخية للخطر. فهذه الكلية، التي تعتبر من أعرق الكليات على الصعيد الوطني، تحتاج إلى قيادة تليق بمستواها وبتاريخها، وليس إلى تعيين مفروض خارج المساطر القانونية والأعراف الجامعية.

وتفيد التسريبات المتداولة أن هناك سعياً لفرض اسم معين من خارج الكلية، رغم وجود عدد معتبر من الكفاءات العلمية والتدبيرية داخل المؤسسة نفسها. وتشير المعطيات نفسها إلى أن فوز عميد من خارج الكلية يبقى أمراً مستبعداً في حال احترام قواعد التباري والانتقاء المعمول بها، ما يُعزز المخاوف من احتمال اللجوء إلى أساليب غير شفافة للالتفاف على المسطرة القانونية المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا.

إن فرض منطق التعين على المقاس بدل التباري الشفاف، واستبعاد الكفاءات الداخلية، لا يطعن فقط في مبدأ تكافؤ الفرص، بل يزرع أيضاً الإحباط في صفوف الأساتذة والطلبة، ويفتح الباب أمام أزمة ثقة في طريقة تدبير الشأن الجامعي. وهو ما من شأنه أن يؤدي، فعلاً، إلى “إطفاء شمعة” هذه المؤسسة التي طالما أنارت دروب العلم والمعرفة، وأنتجت نخباً كان لها الأثر في صنع القرار الوطني.

لذلك، فإن الحرص على شفافية المسطرة، وضمان تنافس نزيه بين جميع المترشحين، هو الكفيل بصون كرامة الكلية واستمرار إشعاعها.
وخير دليل على خطورة تعيين عميد من خارج الكلية، دون معرفة دقيقة بخصوصياتها وتحدياتها البنيوية والبيداغوجية، هو ما عاشته كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال خلال الفترة الماضية، بعد تعيين عميد بالنيابة من خارج المؤسسة. فقد أفرز هذا التعيين عدة اختلالات أثرت بشكل مباشر على السير العادي للمرفق الجامعي، وعلى جودة الخدمات المقدمة للطلبة.

لقد عاينت الكلية، خلال هذه المرحلة، تعثراً ملحوظاً في معالجة الملفات الإدارية للطلبة، وتأخراً في تسوية أوضاعهم المرتبطة بمناقشة بحوثهم الجامعية، إلى جانب غياب تفاعل فعّال مع مشاكلهم اليومية، مما خلق حالة من التذمر وفقدان الثقة في آليات التسيير. ومردّ ذلك بالأساس إلى غياب دراية كافية لدى العميد المعين بالنيابة بالسياق المؤسساتي والبشري والتاريخي للكلية، وهو ما جعله عاجزاً عن التفاعل السريع والملائم مع احتياجاتها ومطالب مكوناتها.

إن كلية أكدال، باعتبارها مؤسسة أكاديمية ذات رمزية خاصة ومكانة راسخة داخل المشهد الجامعي المغربي، تحتاج إلى قيادة نابعة من رحم المؤسسة، ملمة بتفاصيلها، وقادرة على بلورة حلول واقعية وفعالة تنبع من عمق فهمها لواقع الكلية وليس من تصورات نظرية مفروضة من خارجها.

وبالتالي، فإن المرحلة تفرض أكثر من أي وقت مضى ضرورة التزام الشفافية، واحترام المساطر القانونية والمهنية في اختيار عميد قادر على مواكبة الرهانات الأكاديمية والتدبيرية للكلية، وضامن للاستمرارية والنجاعة في الأداء الجامعي.