المغرب: بين ادعاء الحصيلة وواقع التدبير… قراءة نقدية في تجربة حزب الأصالة والمعاصرة

الوطن24/ خاص
يستطيع محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، وقيادي حزب الأصالة والمعاصرة، أن يقول ما يشاء عن حصيلة مشاركة حزبه في حكومة عزيز أخنوش، غير أن الفرق يظل واضحًا بين الخطاب السياسي وواقع التدبير الحكومي. فالكلام، مهما بدا منمقًا ومتفائلًا، لا يمكن أن يحجب اختلالات عميقة تلمسها فئات واسعة من المغاربة في حياتهم اليومية.
ويكفي إلقاء نظرة متأنية على قطاعي الثقافة والصحافة، اللذين يشرف عليهما الوزير بنسعيد، للحكم على باقي القطاعات التي يسيرها وزراء حزبه. إذ تتشكل قناعة عامة لا تقبل كثيرًا من التشكيك، خلاصتها أن الحصيلة أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح، سواء على مستوى التشريع والقانون، الذي يعرف تراجعًا غير مسبوق، أو على مستوى تنزيل الأوراش الحكومية التي وُصفت بالكبيرة، لكنها جاءت في الواقع متقطعة، هشة، ومحدودة الأثر.
لقد ولى الزمن الذي كان فيه حزب “عباءة الدوباج” والتوظيف السياسي الظرفي قادرًا على إضفاء شرعية مصطنعة على ممارسات تسيء إلى سلامة التناوب الحزبي، وتنخر بعمق في جسد التداول الديمقراطي والسلمي على السلطة بالمغرب. ويبدو أن بعض الوجوه الجديدة داخل الحزب لم تستوعب بعد دروس التجربة الحزبية لحزب وُلد من رحم السلطة، وتغذّى على الريع السياسي، قبل أن يخسر رهانه الأول الذي أُنشئ من أجله، والمتمثل في محاربة خصوم سياسيين بعينهم.
فقد جرى تمكين حزب الأصالة والمعاصرة، في مرحلة معينة، من وسائل الدولة وإمكاناتها، ووُضعت تحت تصرفه المدن، والغرف، والجماعات، والموارد، والنفوذ، والتحكم في عدد من المجالس والقطاعات الحكومية، في زمن قياسي، منذ الولادة القيصرية لحركة “من أجل كل الديمقراطيين” التي أنجبت الحزب، وما رافق ذلك من لغط وشطط سياسيين. غير أن خروج حركة 20 فبراير أعاد كثيرًا من الفاعلين إلى حجمهم الطبيعي، وكشف حدود هذا التوظيف السياسي، الذي انتهى بفشل ذريع في تحقيق الأهداف المعلنة، وانتهت معه مسارات عدد من القادة المؤسسين إلى العزلة أو الهجرة السياسية أو الهزيمة الرمزية.
ومع ذلك، عادت نفس الآليات التي أشرفت على ولادة الحزب إلى تدوير الزوايا من جديد، ليُقدَّم في حلة جديدة، وطلاء مختلف، وقيادة جماعية، خلال انتخابات 8 شتنبر 2021، المعروفة بسياقها ونتائجها. جرى ذلك لإنجاز مهام جديدة، وبنكهة سياسية مغايرة في الشكل، لكنها لم تختلف كثيرًا في الجوهر، إذ ظل منطق التوظيف حاضرًا، وإن بأدوات أكثر نعومة.
إن القراءة التاريخية لتجربة حزب يستحيل اعتباره حزبًا طبيعيًا خضع لنشأة سياسية سليمة، تجعل منه، في نظر عدد من المتابعين، خطرًا على التجربة الحزبية المغربية، وتهديدًا محتملاً للديمقراطية باعتبارها ثابتًا من ثوابت الدولة المغربية. فحين يتم تجاهل هذا السياق التاريخي، ويُقدَّم الريع السياسي في كل محطة انتخابية كإنجاز، يصبح من السهل تزوير الوعي الجماعي، وتقديم الإخفاقات على أنها نجاحات.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف لحزب بهذا التاريخ وبهذه الحصيلة أن يدّعي الجاهزية لقيادة الحكومة المقبلة؟ وهل يعتقد فعلاً أن المغاربة لا يقرؤون تاريخ الأحزاب، أو أن ذاكرتهم السياسية قصيرة إلى هذا الحد؟
إن التجربة تؤكد أنه كلما كانت الانتخابات بالمغرب نزيهة ومعبرة عن الإرادة الحقيقية للناخبين، فإن صناديق الاقتراع تعاقب الأحزاب غير الديمقراطية، وغير المعبرة عن انتظارات الشعب، ولا تمنحها المراتب الأولى، فضلًا عن تفويض قيادة الحكومة. فالمغاربة باتوا أكثر وعيًا بأن إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الممارسات لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية نفسها.
لهذا، يبدو الرهان اليوم على وعي المواطن المغربي، الذي لن يسمح بتكرار السيناريوهات المقلقة، حين يتحول الصوت الوطني إلى أداة دستورية لمعاقبة الذات الجماعية بدل تصحيح المسار. وفي هذا السياق، يظل الحكم النهائي بيد الشعب، لا بيد الخطابات ولا الوعود، بل بميزان التاريخ والحصيلة والصدق السياسي.
