المغرب… حقيقة التسجيل السمعي البصري لدى الشرطة: إنجاز تاريخي أم مجرد وهم قانوني؟

الوطن24/ بقلم: ذ.رشيد أيت بلعربي
يتم خلال الأيام الأخيرة الترويج لخبر مثير مفاده أن الشرطة القضائية ستشرع ابتداءً من 8 دجنبر 2025 في تسجيل استجوابات المشتبه فيهم بالصوت والصورة. ورغم الانتشار الواسع لهذه المعلومة، إلا أنها لا تعبّر إطلاقاً عن حقيقة ما ورد في قانون المسطرة الجنائية، خصوصاً المادة 66-3 التي تحكم هذا الإجراء. فالنص القانوني بعيد عن الصورة التي يتم تقديمها للرأي العام، بل يكشف بعد قراءة متأنية أنه لا يحمل أي تحول جوهري في مسار العدالة، بل مجرد خطوة رمزية محاطة بقيود وثغرات تجعل أثرها محدوداً جداً.
فالمادة 66-3 لا تنص على تسجيل جلسات الاستماع أو الاستجواب كما يعتقد البعض، وإنما تقتصر على تسجيل لحظة واحدة محددة بدقة: لحظة قراءة التصريحات الواردة في المحضر على المشتبه فيه الخاضع للحراسة النظرية، قبل توقيعه أو إبصامه عليها أو رفض ذلك. أما المرحلة الأهم، وهي لحظة الاستماع الفعلي التي قد تُنتزع فيها الاعترافات أو تُمارس فيها الضغوط، فهي غير مشمولة بأي تسجيل، ما يفقد الإجراء قيمته الحقيقية كآلية للحماية والشفافية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالمادة تسقط في مفارقة قانونية غير مفهومة حين تغفل تسجيل لحظة تلاوة التصريحات على الأشخاص الذين لا يعرفون القراءة، مكتفية فقط بذكر لحظة قراءتها. وهو ما يخلق تمييزاً غير مبرّر بين المشتبه فيهم، ويجعل من لا يتقنون القراءة أقل حماية رغم أنهم الأكثر حاجة إليها.
إضافة إلى ذلك، فإن الإجراء لا يشمل إلا المشتبه فيهم الخاضعين للحراسة النظرية والمتابعين في جنايات أو جنح عقوبتها خمس سنوات حبسا فأكثر. أما من يتم الاستماع إليهم في حالة سراح—even وإن كانت الجريمة يعاقب عليها بالمؤبد أو الإعدام—فلن يستفيدوا مطلقاً من التسجيل. وهنا يظهر التناقض الصارخ: حماية جزئية وانتقائية لا علاقة لها بجسامة الجريمة بقدر ما ترتبط بوضعية المشتبه فيه.
وحتى حين يقرر المشرّع إدخال هذه التقنية، فإنه لم يضع أي جزاء عند خرقها. فلو امتنع ضابط الشرطة القضائية عن إجراء التسجيل، فإن محضر الاستماع يبقى صحيحاً وسليماً، دون أن يترتب عن ذلك أي أثر بطلان أو ضعف في القوة الثبوتية. الأخطر أن حق الحصول على التسجيل ليس مضموناً للمتهم ولا لدفاعه، بل يخضع للسلطة التقديرية للقاضي وحده، مما يعني أن طلب المتهم للاطلاع على التسجيل قد يُرفض ببساطة دون أي إلزام قانوني على المحكمة.
ولإكمال المشهد، فقد ربط المشرّع دخول هذا الإجراء حيز التنفيذ بصدور نص تنظيمي يحدد كيفيات التسجيل. وبناء على التجارب السابقة في المغرب، غالباً ما يستغرق إصدار مثل هذه النصوص سنوات طويلة، بينما يتطلب التطبيق الفعلي بعد ذلك تجهيزات وتكوينات تستنزف سنوات إضافية.
خلاصة الأمر، أن ما يروج له على أنه “ثورة” في الشرطة القضائية لا يعدو أن يكون “زوبعة في فنجان”. فالتسجيل السمعي البصري بصيغته الحالية ليس سوى إجراء محدود بحدود ضيقة، خالٍ من الآثار القانونية الملزمة، ومؤجل بنص تنظيمي لم يصدر بعد، ومحاط باستثناءات تقلّص أثره إلى أدنى حد. وبين ما يتم تسويقه إعلامياً وما ينص عليه القانون مسافة كبيرة، تجعل هذا الإصلاح مجرد عنوان جميل بلا مضمون فعلي.
