المغرب.. فاجعة فاس تفتح أخطر الملفات: حين تصبح المسؤوليات القانونية معلّقة والفساد العمراني أقوى من القانون

الوطن24/ فاس
لم تكن فاجعة انهيار العمارتين بحي المستقبل بالمسيرة/بنسودة في فاس حادثًا معزولًا ولا مجرد كارثة عمرانية جديدة، بل كانت المرآة التي عكست عمق الاختلالات التي تنخر مجال التعمير في المغرب.
22 وفاة، بينهم أربعة أطفال، وأكثر من 20 جريحًا… أُسر كاملة رحلت تحت الأنقاض في غياب حرب أو زلزال أو قوة قاهرة.
إنه السقوط المدوّي لمنظومة يفترض بها حماية الأرواح لا التفريط فيها.
من المسؤول؟ ومن يحاسب من؟
صوت واحد ارتفع فوق كل الأصوات بعد الحادث:
أين تبدأ المسؤوليات القانونية… وأين تنتهي؟
ثماني أسر كانت تعيش في بنايتين تظهر عليهما تشققات منذ مدة، ومع ذلك لم تتحرك جهة واحدة بشكل حاسم.
لم تُعالج الشكايات، ولم تُفعّل الرقابة، ولم يُفتح أي تحقيق استباقي رغم كثرة المؤشرات التي سبقت الانهيار.
ومرة أخرى جاءت الكارثة لتؤكد أن غياب الجدية في التعامل مع البناء العشوائي والغش هو جريمة مشتركة أطرافها متعددة.
إنقاذ فوق الركام… وأسئلة تحت الركام
واصلت فرق الإنقاذ عمليات البحث لساعات طويلة، فيما نُقل الجرحى إلى المركز الاستشفائي الحسن الثاني، وأُخلي محيط الحادث خوفًا من انهيارات جديدة. غير أن كل هذه الإجراءات العاجلة، رغم أهميتها، لا تُلغي السؤال الأكبر:
لماذا تُترك بيوت المواطنين تتحول إلى قنابل موقوتة؟

البناء العشوائي الانتخابي… سرطان يتمدد
وبالعودة إلى جذور الفاجعة، تتكشف الحقيقة الأكثر إيلامًا:
إن عدم التفاعل مع شكايات المواطنين والمتابعين دون اعتماد الجدية المطلوبة في الحرب على البناء العشوائي والبناء خارج القانون هو أصل الداء.
ومن أخطر مظاهر هذا الخلل ما بات يُعرف بـ البناء العشوائي الانتخابي، حيث تُمنح تسهيلات غير قانونية خلال فترات معينة إرضاءً لناخبين أو ضمانًا للولاءات.
هنا تتقاطع مصالح منتخبين فاسدين ورؤساء جماعات فاسدين، يشرّعون وفق أهوائهم، ويضغطون عبر شبكات نفوذ عابرة للقطاعات، حتى أصبحت هناك مؤسسات موازية غير رسمية لها تأثير وحماية وقدرة على تعطيل القانون.
بهذا الشكل، لم يعد الفساد مجرد ممارسة فردية، بل تحول إلى منظومة كاملة تتمدد في صمت وتهدد استقرار المدن وسلامة المواطنين، وتستبيح القانون والوطن والعباد.
لحظة مواجهة… لا مجال فيها للمجاملات
لقد دقت ساعة الحقيقة .
وتأكد اليوم بالملموس أن استمرار بعض التشريعات التي تُتهم بأنها تحمي الفساد والمفسدين أصبح خطرًا حقيقيًا.
والواجب يقتضي إحكام الطوق على الفساد من خلال ترسانة قانونية صارمة وشفافة، تلتقي حولها كل المؤسسات الدستورية بالمملكة المغربية، وتضع حدًا نهائيًا للعبث الذي يُهدد الأرواح والممتلكات.

فاجعة فاس… نهاية مرحلة وبداية أخرى
ما حدث يجب أن يكون محطة فاصلة:
إما بداية إصلاح حقيقي يعيد لمجال التعمير هيبته وقوته،
وإما استمرار مسار سينتهي حتمًا بفواجع أخرى لا يحتملها المغرب ولا مجتمعه.
رحم الله الضحايا وأسكنهم فسيح جناته، وشفى الجرحى والمصابين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
