المغرب: محمد مقروف… مسؤول مؤسساتي لا واجهة للفوضى الرقمية

الوطن24 / عبد الهادي الناجي
للإشارة فقط، فإن محمد مقروف هو المسؤول عن لجنة الإعلام بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهو منصب يندرج ضمن منطق الدولة والمؤسسة، لا ضمن منطق “المؤثرين” والضجيج الافتراضي. لذلك، فإن الخلط بين اختصاصاته المهنية وبين فوضى منصات التواصل الاجتماعي، يظل قراءة مغلوطة وسطحية لطبيعة المشهد وحدود المسؤوليات.
الرجل كان دائمًا في خدمة الإعلام الرياضي الوطني المغربي، اشتغل بهدوء وبدون أضواء، ودافع عن صورة المغرب في محطات حساسة، وراكم تجربة مهنية جعلته يدرك أن المعركة الإعلامية داخل إفريقيا لم تعد رياضية فقط، بل تحولت إلى معركة سياسية ورمزية واستراتيجية. ومن هذا المنطلق، ظل حريصًا على احترام التوازنات، وتفادي الاستفزازات، وحماية صورة البلد داخل القارة الإفريقية وخارجها.
إن ملف المؤثرين، والتسيير الرقمي، والترويج الفوضوي، لا يدخل ضمن اختصاصات لجنة الإعلام بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بل يندرج ضمن لجان تواصلية وتنظيمية أخرى. وهي الجهة التي يجب أن تُسأل وتُحاسَب، لأنها هي من فتحت الأبواب، وهي من موّلت، وهي من منحت الامتيازات، وهي من سمحت لأشخاص بلا وعي ولا انتماء بأن يتحولوا من ضيوف إلى خصوم، ويقتحموا أرضية الملعب بدون حسيب ولا رقيب، في فوضى غير مسبوقة، لم أعش مثلها طيلة أربعة عقود… للأسف.
والأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء حلّوا بالمغرب قبل انطلاق البطولة بأسابيع، واستُقبلوا بالتكريم، واستفادوا من الامتيازات، قبل أن ينقلبوا فجأة إلى أبواق ضد البلد. بل إن بعضهم حمل ألوان منتخبات أخرى فوق أرض المغرب، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بـ الخيانة الرمزية للصورة الوطنية.
ومن يستعمل اليوم أساليب قديمة للنيل من محمد مقروف أو لتصفيته خطابيًا، فهو في الحقيقة بعيد كل البعد عن خبايا الأمور، وعن تعقيد المشهد المؤسساتي، ويختزل ملفًا استراتيجيًا في شخص واحد، بدل مساءلة المنظومة التي صنعت هذا الخلل.
اليوم، السؤال الحقيقي ليس: لماذا تعثّر الإعلام الرياضي؟
بل: من سلّم مفاتيح صورة المغرب لأشخاص لا يملكون لا الوعي ولا روح المسؤولية؟
محمد مقروف، الذي تقلّد مناصب متعددة في كبريات القنوات العربية، وأبلى البلاء الحسن، وكان نموذجًا للصحفي المغربي المهني الكفء، ومهما اختلفنا معه في بعض التفاصيل، يبقى رجل مؤسسة لا رجل فوضى. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يشتغل من أجل الدولة، ومن يشتغل من أجل الضجيج.
من هو محمد مقروف؟
محمد مقروف… من الميدان إلى المنصّة، مسار إعلامي استثنائي
يُعد محمد مقروف واحدًا من الأسماء القليلة التي جمعت بين التجربة الرياضية الميدانية والاحتراف الإعلامي العربي. لاعب دولي سابق، ومراسل ميداني، ومذيع استوديو، وواصف ومحلل رياضي، ترك بصمته في كبرى القنوات العربية، وانتقل من ميادين اللعب إلى منصّات الإعلام بثبات وكفاءة.
بدأ مساره لاعبًا في مولودية وجدة لكرة اليد، وتألق مع نجم عاصمة الشرق، قبل أن يلتحق بالفريق الأحمر بالدار البيضاء ويشق طريقه إلى المنتخب الوطني. وبعد اعتزاله، اختار البقاء قريبًا من الميادين عبر الميكروفون الإذاعي، حيث اشتغل واصفًا رياضيًا في إذاعة وجدة، ثم في الإذاعة الوطنية، بدعم من الراحل نور الدين أكديرة.
تميّز مبكرًا في التعليق على مباريات كرة اليد، وكان من أوائل الأصوات التي واكبت مشاركات المنتخب المغربي في المنافسات القارية، قبل أن يفرض اسمه أيضًا في كرة القدم، ضمن جيل ذهبي من أصوات الأثير المغربي.
التحوّل المفصلي في مسيرته جاء أواخر التسعينيات، عندما أصبح مراسلًا من المغرب لقناة MBC، ثم انتقل إلى أبو ظبي الرياضية حيث عاش أوج حضوره العربي. هناك، جمع بين العمل الميداني والإشراف الإداري كرئيس تحرير، وأطلق البرنامج الشهير “الهدف” الذي استمر تسع سنوات، واستضاف أبرز نجوم الرياضة العالمية، من بينهم رئيس الفيفا السابق جوزيف بلاتير.
ومع أبو ظبي الرياضية، شارك في تغطية كأس العالم 1998 بفرنسا، ودوري أبطال أوروبا، وثلاث دورات أولمبية (سيدني، أثينا، بكين)، إضافة إلى برنامج “الطريق إلى أبو ظبي” الذي جال من خلاله دول الخليج لتغطية استعداداتها الكروية.
بعد 11 سنة من النجاح، التحق بشبكة ART للإشراف على مكتبها بالمغرب وتغطية بطولات بلدان المغرب الكبير، قبل أن يعود لاحقًا إلى أبو ظبي الرياضية مديرًا للبرامج بالنيابة، رافضًا الالتحاق بالجزيرة الرياضية بعد استحواذها على ART.
وباعتبار هذه التجربة الوطنية والعربية الواسعة، عيّنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم محمد مقروف ناطقًا رسميًا ومكلفًا بالتواصل مع وسائل الإعلام، في أفق إرساء مقاربة احترافية في العلاقة مع الصحافة الوطنية والدولية، وتعزيز صورة الكرة المغربية في المحافل القارية والدولية.
الخلاصة، أن محمد مقروف رجل مهني خدم الأجندة الوطنية بصدق، حيث راكم تجربة استثنائية شملت تغطية عشر دورات أولمبية صيفية وشتوية رفقة اتحاد إذاعات الدول العربية، من سيدني إلى ريو دي جانيرو، مرورًا بالألعاب الشتوية في سوتشي، وأول دورة ألعاب أولمبية أوروبية في أذربيجان.
كما غطّى بطولات كأس العالم لكرة القدم، والبطولات الإفريقية والآسيوية، والدوريات الأوروبية الكبرى (إسبانيا، إيطاليا، إنجلترا)، ودوري أبطال أوروبا، وبطولات العالم لألعاب القوى، والدوري الماسي لسنوات، فضلًا عن شغله منصب خبير إعلامي لدى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، والكثير من المهام الأخرى… لكن في صمت.
